السيد محمد الصدر
63
ما وراء الفقه
والعبارات الدالة على ذلك عديدة لا حاجة إلى استقصائها . فإذا عرفنا ذلك رأينا الآية الكريمة تقول * ( يُخَيَّلُ إِلَيْه ِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى ) * . ولم تقل أنه يتوهم ذلك . إذن فهذا الإحساس حق وليس بباطل . وهو المطلوب . وقد يقال : إن فهم الخيال بهذا النحو اصطلاح فلسفي ولا يمكن أن نفهمه من النصوص الإسلامية الأولى : الكتاب والسنة . وإنما نفهم ما عليه العرف . والخيال في العرف غير مطابق للواقع . وهذا على القاعدة صحيح ، بمعنى أن القاعدة نفسها صحيحة . إلا أن تطبيقها في هذا المورد لا يخلو من مناقشة . لأن العرف لا شك يدرك فرقا بين الوهم والخيال . إلا أنه لا يستوضحه بجلاء . وكل ما يدركه العرف إجمالا ولا يعرفه تفصيلا ، فمن أين نستطيع أن نفهم التفصيل ؟ فهنا لا يكون العرف مدركا له ولا حجة فيه ، لأنه لا يعرفه . فمن الطبيعي أن نبحث عنه في مصادر أخرى معمقة . فإن الآية استعملت لفظ الخيال ، وهذه المصادر تعرفنا على حقيقة الخيال . إذن ، فالقرآن الكريم غير دال بأي حال ، على أن السحر كله مجرد تخييل أو إيهام باطل ، كما يريد الناس أن يفكروا ويقولوا . بل إن القرآن الكريم دال على واقعية السحر في الآية الكريمة الأخرى وهي قوله تعالى « 1 » * ( وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا . يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ، وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ . وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ . فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِه ِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِه ِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِه ِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ا للهِ . وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ . وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراه ُ ما لَه ُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ . وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِه ِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ . وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ ا للهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ) * .
--> « 1 » البقرة ( 103 ) .