الإمام مالك
المقدمة 10
الموطأ
النسخة الأولى المفهومة من الموطأ عند الاطلاق في عصرنا . هي نسخة يحيى بن يحيى المصمودي . وهو أبو محمد يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس بن شملل بن منقايا المصمودي . نسبة إلى مصمودة ، قبيلة من البربر . أخذ يحيى الموطأ ، أولا ، من زياد بن عبد الرحمن بن زياد اللخمي ، المعروف بشبطون . وكان زياد أول من أدخل مذهب مالك في الأندلس . ورحل إلى مالك للاستفادة مرتين . ورجع إلى وطنه واشتغل بإفادة علوم الحديث . وطلب منه أمير قرطبة قبول قضاء قرطبة ، فامتنع . وكان متورعا زاهدا ، مشارا إليه في عصره . وارتحل يحيى إلى المدينة ، فسمع الموطأ من مالك بلا واسطة . إلا ثلاثة أبواب من كتاب الاعتكاف ( باب خروج المعتكف إلى العيد - وباب قضاء الاعتكاف - وباب النكاح في الاعتكاف ) . وكانت ملاقاته وسماعاته في السنة التي مات فيها مالك . يعنى سنة تسع وأربعين ومائة . وكان حاضرا في تجهيزه وتكفينه وأخذ الموطأ أيضا من أجل تلامذة مالك ، عبد الله بن وهب . وأدرك كثيرا من أصحابه ، وأخذ العلم عنهم . ووقعت له رحلتان في وطنه : ففي الأولى ، أخذ عن مالك ، وعبد الله بن وهب ، وليث بن سعد المصري ، وسفيان بن عيينة ، وغيرهم . وفى الثانية ، أخذ العلم والفقه عن ابن القاسم صاحب المدونة . من أعيان تلامذة مالك . قال الامام الزرقاني : كان يحيى عند مالك . فقيل هذا الفيل . فخرجوا لرؤيته ولم يخرج . فقال مالك له : لم لم تخرج لنظر الفيل ، وهو لا يكون ببلادك ؟ فقال : لم أرحل لأنظر الفيل ، وإنما رحلت لأشاهدك ، وأتعلم من علمك وهديك . فأعجبه ذلك ، وسماه عاقل الأندلس وإليه انتهت رياسة الفقه بها . وانتشر به المذهب . وتفقه به من لا يحصى . وعرض للقضاء فامتنع ، فعلت رتبته على القضاة . وقبل قوله عند السلطان . فلا يولى قاضيا في أقطاره إلا بمشورته واختياره . ولا يشير إلا بأصحابه فأقبل الناس عليه لبلوغ أغراضهم . وهذا سبب اشتهار الموطأ بالمغرب من روايته دون غيره . ( قلت ) ولكن يبقى معرفة سبب اشتهاره في العالم الاسلامي ، والاعتماد عليه دون سواه . وبعد ما صار جامعا بين الرواية والدراية عاد إلى أوطانه ، وأقام بالأندلس ، يدرس ويفتى على مذهب مالك . وبه وبعيسى بن دينار ، تلميذ مالك ، انتشر مذهب مالك في بلاد المغرب . وكانت وفاته سنة أربع وثلاثين بعد المائتين . النسخة الثانية نسخة ابن وهب ، وهو أبو محمد عبد الله بن سلمة الفهري المصري . ولد في ذي القعدة سنة خمس وعشرين