السيد محمد العاملي
مقدمة التحقيق 12
مدارك الأحكام
وكانت المجالس العامرة في جبل عامل وفي جزين وفي بيته بالذات مدرسة حرة ومجالا واسعا لإبداء الرأي ، وللمناقشات الفكرية التي ثمرتها تنمية القابليات . ساعدت هذه العوامل مجتمعة على تفوق الشهيد على أقرانه وبشكل ملحوظ . لقد كان الشهيد - رحمه الله - من الرحالين في طلب العلم ، فطاف في كثير من البلدان الإسلامية كمكة المكرمة والمدينة المنورة ومصر وبيت المقدس ودمشق وبغداد . وكان في كل مكان يحل فيه ينهل من دروس علمائه ، فقد روى - فضلا عن علماء الشيعة - عن جمع من علماء أهل السنة ، فقال في إجازته لابن الخازن : إني أروي عن نحو أربعين شيخا من علمائهم بمكة والمدينة ودار السلام بغداد ومصر ودمشق وبيت المقدس ومقام الخليل إبراهيم عليه السلام . وهذا النص دليل واضح على أن الشهيد قد جمع علوم الشيعة والسنة في الحديث والفقه وبقية العلوم الإسلامية ، وكان من جراء ذلك تبحره في علوم المذاهب الإسلامية ، وتدريسه ومناقشته لكل المذاهب . وبالرغم من قولنا بالتمايز بين معهدي الحلة الفيحاء ، والجبل الأشم ، فإن معالم تأثير الأول على الثاني واضح ، لسبقه الزمني أولا ولقوة من يمثله ثانيا ، ولأن الفكر الواحد مهما علمنا على تحقيبه زمنيا أو فكريا تتصل حلقاته من جوانب أخرى ثالثا . لذا فإن الشهيد الذي كان يعتبر ثمرة طيبة لمدرسة الحلة استطاع أن يؤسس مدرسة فقهية في جبل عامل ها خصائصها الفكرية والبيانية والمنهجية المميزة . فقد كان لهذه المدرسة الفضل الكبير في تنقيح عبارات الفقه وإخراجها من الجمود السابق ، وذلك بحكم كون مؤسس هذه المدرسة من الشعراء الأدباء .