التبريزي الأنصاري

162

اللمعة البيضاء

نفسها قابلة للأنوار ، وذلك التمكن إن كان بفكر واجتهاد فكالشجرة الزيتونة ، وإن كان بالحدس فكالزيت ، وإن كان بقوة قدسية فكالذي يكاد زيتها يضيء ، لأنها تكاد تعلم ولو لم تتصل بملك الوحي والإلهام الذي مثله النار من حيث إن العقول تشتعل عنها ، ثم إذا حصلت لها العلوم بحيث تتمكن من استحضارها متى شاءت كانت كالمصباح ، فإذا استحضرتها كانت نورا على نور على نور . الثاني : ما ذكره حسام الدين الحلبي تلميذ المولوي المعنوي ، الذي ألف ونظم لأجله المثنوي ، في تفسيره بقوله : ( الله نور السماوات والأرض ) أي وجود السماوات والأرض وظهورهما ، فإن النور والوفور والظهور ألفاظ مترادفة ، ومفهومها المطابقي الحقيقي ولازمها الذاتي - وهو الظاهر بذاته والمظهر لغيره - واحد . ويطابق هذا قوله تعالى : ( ولله المشرق والمغرب أينما تولوا فثم وجه الله ) ( 1 ) أي ذاته ووجوده ، وكذا قوله : ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن ) ( 2 ) . وهذا حكم صريح ، وإدراك واضح ، وعلم صحيح ، فإن الله تعالى وجود السماوات والأرض وما فيهما من الموجودات الكائنات ، فليس للأشياء وجود سوى الله ، وان الله تعالى عين الأشياء الظاهرة والباطنة والأولية والآخرية ، ووجودها إجمالا وتفصيلا ، ووجود كل شئ من المجردات الإلهية والكونية ، العقلية والنفسية ، والجسمية والجوهرية ، والعرضية البسيطة والمركبة ، فإطلاق كلام الله تعالى على المعنى المجازي الغير الظاهري المطابقي وعلى غير مراده ، خارج عن حسن الأدب والإنصاف . نعم ان هذا النوع من الأسرار الإلهية ، والأطوار الغيبية الغير المتناهية طور وراء طور العقل ، ولا يدركه العقل بالاستقلال من غير التأييد الإلهي ، والتوفيق الرباني ، والجهاد الصمداني ، والرياض السبحاني ، بل المؤثر في طور التحقيق

--> ( 1 ) البقرة : 115 . ( 2 ) الحديد : 3 .