ابن منظور

75

لسان العرب

عليه وسلم ، وأَنا في نَخْلٍ لي فقال : مَن غَرَسَه أَمُسْلِمٌ أَم كافرٌ ؟ قلت : لا بَلْ مُسْلِمٌ ، فقال : ما من مُسْلِمٍ يَغْرِس غَرْساً أَو يزرَع زرعاً فيأْكلُ منه إِنسانٌ أَو دابَةٌ أَو طائرٌ أَو سَبُعٌ إِلا كانت له صدقةً . وأَعطاه المالَ عَفْواً بغير مسألةٍ ؛ قال الشاعر : خُذِي العَفْوَ مني تَسْتَديمي مَوَدّتي ، * ولا تَنْطِقِي في سَوْرَتي حين أَغضَبُ وأَنشدَ ابن بري : فتَمْلأُ الهَجْمَ عَفْواً ، وهْي وادِعَة ، * حتى تكادَ شِفاه الهَجْمِ تَنْثَلِمُ وقال حسان بن ثابت : خُذْ ما أَتى منهمُ عَفْواً ، فإن مَنَعُوا ، * فلا يَكُنْ هَمَّكَ الشيءُ الذي مَنَعُوا قال الأَزهري : والمُعْفِي الذي يَصْحَبُكَ ولا يَتَعَرَّضُ لمَعْروفِك ، تقولُ : اصْطَحَبْنَا وكلُّنا مُعْفٍ ؛ وقال ابن مقبل : فإنَّكَ لا تَبْلُو امْرَأً دونَ صُحْبةٍ ، وحتى تَعيشا مُعْفِيَيْنِ وتَجْهَدا وعَفْوُ المالِ : ما يُفْضُلُ عن النَّفَقة . وقوله تعالى : ويَسْأَلونك ماذا يُنُفِقون قُلِ العَغْوَ ؛ قال أَبو إسحق : العَفْوُ الكثرة والفَضْلُ ، فأُمِرُوا أَن يُنُفِقوا الفَضْل إلى أَن فُرِضَت الزكاةُ . وقوله تعالى : خُذِ العَفْوَ ؛ قيل : العَفْو الفَضْلُ الذي يجيءُ بغيرِ كُلْفَةٍ ، والمعنى اقْبَلِ المَيْسُورَ مِنْ أَخْلاقِ الناسِ ولا تَسْتَقْصِ عليهم فيَسْتَقْصِيَ الله عليك مع ما فيه من العَداوة والبَغْضاءِ . وفي حديث ابن الزبير : أَمَرَ الله نَبيَّه أَن يأَخُذ العَفْوَ من أَخْلاقِ الناسِ ؛ قال : هو السَّهْل المُيَسَّر ، أَي أَمرَه أَن يَحْتَمِل أَخْلاقَهُم ويَقْبَلَ منها ما سَهُل وتَيَسَّر ولا يستَقْصِيَ عليهم . وقال الفراء في قوله تعالى : يسأَلونك ماذا يُنْفِقون قل العَفْو ؛ قال : وجه الكلام فيه النصبُ ، يريدُ قل يُنْفِقُون العَفْوَ ، وهو فضلُ المال ؛ وقال أَبو العباس : مَنْ رَفَع أَراد الذي يُنْفِقون العَفْوُ ، قال : وإنما اختار الفراء النصبَ لأَن ماذا عندنا حَرْفٌ واحد أَكثرُ في الكلام ، فكأنه قال : ما يُنْفِقُون ، فلذلك اخْتِيرَ النَّصبُ ، قال : ومَنْ جَعلَ ذا بمَعْنى الذي رَفَعَ ، وقد يجوز أن يكونَ ماذا حرفاً ، ويُرْفَع بالائتناف ؛ وقال الزجاج : نَزَلَت هذه الآية قبلَ فرض الزكاة فأُمروا أَن يُنْفِقوا الفَضْلَ إلى أَن فُرضَت الزكاةُ ، فكان أَهلُ المَكاسِب يأْخذُ الرجلُ ما يُحْسِبه في كل يوم أَي ما يَكْفِيه ويَتَصَدَّقُ بباقيِه ، ويأخذُ أَهلُ الذَّهَب والفِضَّة ما يَكْفِيهم في عامِهِمْ وينفِقُون باقيَه ، هذا قد روي في التفسير ، والذي عليه الإِجماع أَنَّ الزَّكاةَ في سائرِ الأَشياء قد بُيِّنَ ما يَجْبُ فيها ، وقيل : العَفْوُ ما أَتَى بغَيرِ مسألةٍ . والعافي : ما أَتى على ذلك من غير مسأَلةٍ أَيضاً ؛ قال : يُغْنِيكَ عافِيه وعِيدَ النَّحْزِ النَّحْزُ : الكَدُّ والنَّخْس ، يقول : ما جاءَكَ منه عَفْواً أَغْناكَ عن غيره . وأَدْرَكَ الأَمْرَ عَفْواً صَفْواً أَي في سُهُولة وسَراحٍ . ويقال : خُذْ من مالِه ما عَفا وصَفا أَي ما فَضَل ولم يَشُقَّ عليه . وابن الأَعرابي : عَفا يَعْفُو إذا أَعطى ، وعَفَا يَعْفُو إذا تَرَكَ حَقّاً ، وأَعْفَى إذا أَنْفَقَ العَفْوَ من ماله ، وهو الفاضِلُ عن نَفَقَتِه . وعَفا القومُ : كَثُرُوا . وفي التنزيل : حتى عَفَوْا ؛ أَي كَثُرُوا . وعَفا النَّبتُ والشَّعَرُ وغيرُه يَعْفُو فهو عافٍ : كثُرَ وطالَ . وفي الحديث : أَنه صلى الله عليه وسلم ، أَمَرَ بإعْفاء اللِّحَى ؛ هو أَن يُوفَّر شَعَرُها ويُكَثَّر ولا يُقَصَّ