ابن منظور
301
لسان العرب
فما تَرى فيما تَرَى كما تَرَى قال ابن سيده : فالقول عندي في هذه الأَبيات أَنها لو كانت عدَّتُها ثلاثة لكان الخطب فيها أَيسر ، وذلك لأَنك كنت تجعل واحداً منها من رُؤْية العَيْنِ كقولك كما تُبْصِر ، والآخر من رُؤْية القَلْبِ في معنى العلم فيصير كقولك كما تَعْلم ، والثالث من رأَيْت التي بمعنى الرَّأْي الاعتقاد كقولك فلان يرَى رَأْي الشُّراةِ أَي يعتَقِدُ اعْتِقادَهم ؛ ومنه قوله عز وجل : لتَحْكُم بين الناسِ بما أَرَاكَ الله ؛ فحاسَّةُ البَصَر ههنا لا تتَوَجَّه ولا يجوز أَن يكون بمعنى أَعْلَمَك الله لأَنه لو كان كذلك لوَجَب تعدِّيه إِلى ثلاثة مَفْعولِين ، وليس هناك إِلا مفعولان : أَحدهما الكاف في أَراك ، والآخر الضمير المحذوف للغائب أَي أَراكَه ، وإِذا تعدَّت أَرى هذه إلى مفعولين لم يكن من الثالث بُدُّ ، أَولا تَراكَ تقول فلان يَرَى رأْيَ الخوارج ولا تَعْني أَنه يعلم ما يَدَّعون هُمْ عِلْمَه ، وإِنما تقول إِنه يعتقد ما يعتقدون وإِن كان هو وهم عندك غير عالمين بأَنهم على الحق ، فهذا قسم ثالث لرأَيت ، قال ابن سيده : فلذلك قلنا لو كانت الأَبيات ثلاثة لجاز أَن لا يكون فيها إِيطاء لاختلاف المعاني وإِن اتفقت الأَلفاظ ، وإِذْ هِي خمسة فظاهر أَمرها أَن تكون إِيطاء لاتفاق الأَلفاظ والمعاني جميعاً ، وذلك أَن العرب قد أَجرت الموصول والصلة مُجْرى الشيء الواحد ونَزَّلَتْهما منزلة الخبر المنفرد ، وذلك نحو قول الله عز وجل : الذي هو يُطْعِمُني ويَسْقِينِ وإِذا مَرِضْتُ فهُو يَشْفِينِ والذي يُميتُني ثم يُحْيِينِ والذي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لي خطيئَتي يومَ الدِّينِ ؛ لأَنه سبحانه هو الفاعل لهذه الأَشياء كلها وحده ، والشيء لا يُعْطَف على نفسِه ، ولكن لما كانت الصلة والموصول كالخبر الواحد وأَراد عطف الصلة جاء معها بالموصول لأَنهما كأَنهما كلاهما شيء واحد مفرد ؛ وعلى ذلك قول الشاعر : أَبا ابْنَةَ عبدِ الله وابْنَةَ مالِكٍ ، * ويا ابْنَةَ ذي الجَدَّينِ والفَرَسِ الوَرْدِ إِذا ما صَنَعْتِ الزَّادَ ، فالْتَمِسي له * أَكِيلاً ، فإِني لسْتُ آكُلُه وَحْدي فإِنما أَراد : أَيا ابْنة عبدِ الله ومالِكٍ وذي الجَدّين لأَنها واحدةٌ ، أَلا تَراه يقول صنعتِ ولم يَقُلْ صنعتُنَّ ؟ فإِذا جازَ هذا في المضاف والمضاف إِليه كان في الصِّلَةِ والموصولِ أَسْوَغَ ، لأَنَّ اتِّصالَ الصِّلَةِ بالموصول أَشدُّ من اتصال المضافِ إِليه بالمُضاف ؛ وعلى هذا قول الأَعرابي وقد سأَله أَبو الحسن الأَخفشُ عن قول الشاعر : بَناتُ وَطَّاءٍ على خَدِّ اللَّيْل فقال له : أَين القافية ؟ فقال : خدّ الليلْ ؛ قال أَبو الحسن الأَخفش : كأَنه يريد الكلامَ الذي في آخر البيت قلَّ أَو كَثُر ، فكذلك أَيضاً يجعل ما تَرَى وما تَرَى جميعاً القافية ، ويجعل ما مَرَّةً مصدراً ومرة بمنزلة الذي فلا يكون في الأَبيات إِيطاء ؛ قال ابن سيده : وتلخيص ذلك أَن يكون تقديرها أَما تراني رجلاً كُرؤْيَتِك أَحمل فوقي بزتي كمَرْئِيِّك على قلوص صعبة كعِلْمِكَ أَخاف أَن تطرحني كمَعْلُومك فما ترى فيما ترى كمُعْتَقَدِك ، فتكون ما ترى مرة رؤية العين ، ومرة مَرْئِيّاً ، ومرة عِلْماً ومرة مَعلوماً ، ومرة مُعْتَقَداً ، فلما اختلفت المعاني التي وقعت عليها ما واتصلت بها فكانت جزءاً منها لاحقاً بها صارت القافية وما ترى جميعاً ، كما صارت في قوله خدّ الليل هي خدّ الليل جميعاً لا الليل وحده ؛ قال : فهذا قياس من القوّة بحيث تراه ، فإِن قلت : فما رويّ هذه