ابن منظور

612

لسان العرب

فسأَلت يونس عنها فقال : مَثَلُها صفتها ؛ قال محمد ابن سلام : ومثل ذلك قوله : ذلك مَثَلُهم في التوراة ومَثَلُهم في الإِنجيل ؛ أَي صِفَتُهم . قال أَبو منصور : ونحوُ ذلك رُوي عن ابن عباس ، وأَما جواب أَبي عمرو لمُقاتِل حين سأَله ما مَثَلُها فقال فيها أَنْهار من ماءٍ غير آسِنٍ ، ثم تكْريرُه السؤال ما مَثَلُها وسكوت أَبي عمرو عنه ، فإِن أَبا عمرو أَجابه جواباً مُقْنِعاً ، ولما رأَى نَبْوةَ فَهْمِ مُقاتِل سكت عنه لما وقف من غلظ فهمه ، وذلك أَن قوله تعالى : مَثَل الجنة ، تفسير لقوله تعالى : إِن الله يُدْخِل الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ جناتٍ تجري من تحتها الأَنهار ؛ وَصَفَ تلك الجناتِ فقال : مَثَلُ الجنة التي وصفْتُها ، وذلك مِثْل قوله : ذلك مَثَلُهم في التوراة ومَثَلُهم في الإِنجيل ؛ أَي ذلك صفةُ محمدٍ ، صلى الله عليه وسلم ، وأَصحابِه في التوراة ، ثم أَعلمهم أَن صفتهم في الإِنجيل كَزَرْعٍ . قال أَبو منصور : وللنحويين في قوله : مثل الجنة التي وُعِد المتقون ، قولٌ آخر قاله محمد بن يزيد الثمالي في كتاب المقتضب ، قال : التقدير فيما يتلى عليكم مَثَلُ الجنة ثم فيها وفيها ، قال : ومَنْ قال إِن معناه صِفةُ الجنةِ فقد أَخطأَ لأَن مَثَل لا يوضع في موضع صفة ، إِنما يقال صفة زيد إِنه ظَريفٌ وإِنه عاقلٌ . ويقال : مَثَلُ زيد مثَلُ فلان ، إِنما المَثَل مأْخوذ من المِثال والحَذْوِ ، والصفةُ تَحْلِية ونعتٌ . ويقال : تمثَّل فلانٌ ضرب مَثَلاً ، وتَمَثَّلَ بالشيء ضربه مَثَلاً . وفي التنزيل العزيز : يا أَيُّها الناسُ ضُرِب مَثَل فاستَمِعوا له ؛ وذلك أَنهم عَبَدُوا من دون الله ما لا يَسْمَع ولا يُبْصِر وما لم ينزِل به حُجَّة ، فأَعْلَم الله الجوَاب ممَّا جعلوه له مَثَلاً ونِدًّا فقال : إِنَّ الذين تَعْبُدون من دون الله لن يخلُقوا ذُباباً ؛ يقول : كيف تكونُ هذه الأَصنامُ أَنْداداً وأَمثالاً لله وهي لا تخلُق أَضعفَ شيء مما خلق الله ولو اجتمعوا كلُّهم له ، وإِن يَسْلُبْهُم الذُّبابُ الضعيفُ شيئاً لم يخلِّصوا المَسْلوبَ منه ، ثم قال : ضَعُفَ الطالِبُ والمَطْلوبُ ؛ وقد يكون المَثَلُ بمعنى العِبْرةِ ؛ ومنه قوله عز وجل : فجعلناهم سَلَفاً ومَثَلاً للآخرين ، فمعنى السَّلَفِ أَنا جعلناهم متقدِّمين يَتَّعِظُ بهم الغابِرُون ، ومعنى قوله ومَثلاً أَي عِبْرة يعتبِر بها المتأَخرون ، ويكون المَثَلُ بمعنى الآيةِ ؛ قال الله عز وجل في صفة عيسى ، على نبينا وعليه الصلاة والسلام : وجعلناه مَثَلاً لبني إِسرائيل ؛ أَي آيةً تدلُّ على نُبُوّتِه . وأَما قوله عز وجل : ولَمَّا ضُرِب ابنُ مريم مثلاً إِذا قومُك منه يَصُدُّون ؛ جاء في التفسير أَن كفَّارَ قريشٍ خاصَمَتِ النبيَّ ، صلى الله عليه وسلم ، فلما قيل لهم : إِنكم وما تعبُدون من دون الله حَصَبُ جهنم ، قالوا : قد رَضِينا أَن تكون آلهتنا بمنزلة عيسى والملائكةِ الذين عُبِدوا من دون الله ، فهذا معنى ضَرْبِ المَثَل بعيسى . والمِثالُ : المقدارُ وهو من الشِّبْه ، والمثل : ما جُعل مِثالاً أَي مقداراً لغيره يُحْذَى عليه ، والجمع المُثُل وثلاثة أَمْثِلةٍ ، ومنه أَمْثِلةُ الأَفعال والأَسماء في باب التصريف . والمِثال : القالَبُ الذي يقدَّر على مِثْله . أَبو حنيفة : المِثالُ قالَب يُدْخَل عَيْنَ النَصْل في خَرْق في وسطه ثم يُطْرق غِراراه حتى يَنْبَسِطا ، والجمع أَمْثِلةٌ . وتَماثَل العَليلُ : قارَب البُرْءَ فصار أَشْبَه بالصحيح من العليل المَنْهوك ، وقيل : إِن قولَهم تَماثَل المريضُ من المُثولِ والانتصابِ كأَنه هَمَّ بالنُّهوض والانتصاب . وفي حديث عائشة تَصِفُ أَباها ، رضوان الله عليهما : فَحَنَتْ له قِسِيَّها وامْتَثَلوه