ابن منظور
5
لسان العرب
ذلك لأَن الأَكَّارينَ كانوا عندهم من الفُرْسِ ، وهم عَبَدَة النار ، فجعل عليه إِثمهم . قال الأَزهري : أَحسِب الأَريس والإِرِّيس بمعنى الأَكَّار من كلام أَهل الشام ، قال : وكان أَهل السَّواد ومن هو على دين كِسْرى أَهلَ فلاحة وإِثارة للأَرض ، وكان أَهل الروم أَهلَ أَثاثٍ وصنعة ، فكانوا يقولون للمجوسي : أَريسيٌّ ، نسبوهم إِلى الأَريس وهو الأَكَّارُ ، وكانت العرب تسميهم الفلاحين ، فأَعلمهم النبي ، صلى اللَّه عليه وسلم ، أَنهم ، وإِن كانوا أَهل كتاب ، فإِن عليهم من الإِثم إِن لم يؤْمنوا بنبوته مثل إِثم المجوس وفَلَّاحي السَّواد الذين لا كتاب لهم ، قال : ومن المجوس قوم لا يعيدون النار ويزعمون أَنهم على دين إِبراهيم ، على نبينا وعليه الصلاة والسلام ، وأَنهم يعبدون اللَّه تعالى ويحرّمون الزنا وصناعتهم الحراثة ويُخْرِجون العُشر مما يزرعون غير أَنهم يأْكلون المَوْقوذة ، قال : وأَحسبهم يسجدون للشمس ، وكانوا يُدعَوْن الأَريسين ؛ قال ابن بري : ذكر أَبو عبيدة وغيره أَن الإِرِّيسَ الأَكَّارُ فيكون المعنى أَنه عبر بالأَكَّارين عن الأَتباع ، قال : والأَجود عندي أَن يقال : إِن الإِرِّيس كبيرهم الذي يُمْتَثَلُ أَمره ويطيعونه إِذا طلب منهم الطاعة : ويدل على أَن الإِرِّيس ما ذكرت لك قول أَبي حِزام العُكْليّ : لا تُبِئْني ، وأَنتَ لي ، بك ، وَغْدٌ ، * لا تُبِئْ بالمُؤَرَّسِ الإِرِّيسا يقال : أَبَأْتُه به أَي سَوَّيته به ، يريد : لا تُسَوِّني بك . والوَغْدُ : الخسيس اللئيم ، وفصل بقوله : لي بك ، بين المبتدإِ والخبر ، وبك متعلق بتبئني ، أَي لا تبئني بك وأَنت لي وغد أَي عَدوٌّ لي ومخالف لي ، وقوله : لا تبئْ بالمؤَرَّس الإِرِّيسا أَي لا تُسَوِّ الإِرِّيسَ ، وهو الأَمير ، بالمُؤَرَّس ؛ وهو المأْمور وتابعه ، أَي لا تُسَوِّ المولى بخادمه ، فيكون المعنى في قول النبي ، صلى اللَّه عليه وسلم ، لهِرَقل : فعليك إِثم الإِرِّيسين ، يريد الذين هم قادرون على هداية قومهم ثم لم يهدوهم ، وأَنت إِرِّيسُهم الذي يجيبون دعوتك ويمتثلون أَمرك ، وإِذا دعوتهم إِلى أَمر أَطاعوك ، فلو دعوتهم إِلى الإِسلام لأَجابوك ، فعليك إِثم الإِرِّيسين الذين هم قادرون على هداية قومهم ثم لم يهدوهم ، وذلك يُسْخِط اللَّه ويُعظم إِثمهم ؛ قال : وفيه وجه آخر وهو أَن تجعل الإِرِّيسين ، وهم المنسوبون إِلى الإِرِّيس ، مثل المُهَلَّبين والأَشْعَرين المنسوبين إِلى المُهَلَّب وإِلى الأَشْعَر ، وكان القياس فيه أَن يكون بياءَي النسبة فيقال : الأَشْعَرِيُّون والمُهَلَّبيُّون ، وكذلك قياس الإِرِّيسين الإِرِّيسيُّون في الرفع والإِرِّيسيِّين في النصب والجر ، قال : ويقوي هذا رواية من روى الإِرِّيسيِّين ، وهذا منسوب قولاً واحداً لوجود ياءَي النسبة فيه فيكون المعنى : فعليك إِثم الإِرِّيسيين الذين هم داخلون في طاعتك ويجيبونك إِذا دعوتهم ثم لم تَدْعُهُم إِلى الإِسلام ، ولو دعوتهم لأَجابوك ، فعليك إِثمهم لأَنك سبب منعهم الإِسلام ولو أَمرتهم بالإِسلام لأَسلموا ؛ وحكي عن أَبي عبيد : هم الخَدَمُ والخَوَلُ ، يعني بصَدِّه لهم عن الدين ، كما قال تعالى : ربَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادتنا وكُبراءَنا ؛ أَي عليك مثل إِثمهم . قال ابن الأَثير : قال أَبو عبيد في كتاب الأَموال : أَصحاب الحديث يقولون الإِريسيين مجموعاً منسوباً والصحيح بغير نسب ، قال : ورده عليه الطحاوي ، وقال بعضهم : في رَهط هِرَقل فرقةٌ تعرف بالأَروسِيَّة فجاءَ على النسب إِليهم ، وقيل : إِنهم أَتباع عبد اللَّه بن أَريس ، رجل كان في الزمن الأَول ، قتلوا نبيّاً بعثه اللَّه إِليهم ، وقيل : الإِرِّيسون الملوك ،