الإمام الشافعي

30

كتاب الأم

( أخبرنا ) ابن عيينة عن ابن شهاب عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مثل معنى حديث مالك . وقال : " حتى يأتي خازني من الغابة " فحفظته لا شك فيه ( قال الشافعي ) : أخبرنا مالك عن نافع عن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا تبيعوا الذهب بالذهب ، إلا مثلا بمثل ، ولا تبيعوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ، ولا تبيعوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز " ( قال الشافعي ) فحديث عمر ابن الخطاب وأبى سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يدلان على معان ، منها تحريم الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ، يدا بيد ، ولا يباع منها غائب بناجز وحديث عمر يزيد على حديث أبي سعيد الخدري ، أن الذي حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم فما سمى من المأكول المكيل كالذي حرم في الذهب والورق ، سواء لا يختلفان وقد ذكر عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل معناهما ، وأكثر وأوضح ( قال الشافعي ) : وإنما حرمنا غير ما سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم من المأكول والمكيل ، لأنه في معنى ما سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ، وكذلك حرمنا المأكول والموزون ، لأن الكيل في معنى الوزن ، لأنه بيع معلوم عند البائع والمشترى ، بمثل ما علم بالكيل أو أكثر ، لأن الوزن أقرب من الإحاطة من الكيل ( 1 ) فلا يوجد في الكيل والوزن معنى أقرب من الإحاطة منهما ، فاجتمعا على أنه أريد بهما أن يكونا معلومين ، وأنهما مأكولان ، فكان الوزن قياسا على الكيل في معناه ، وما أكل من الكيل ولم يسم ، قياسا على معنى ما سمى من الطعام ، في معناه ( قال الشافعي ) : ولم يجز أن يقاس الوزن من المأكول على الوزن من الذهب لأن الذهب غير مأكول ، وكذلك الورق لو قسناه عليه وتركنا المكيل المأكول ، قسنا على أبعد منه مما تركنا أن نقيسه عليه ، ولا يجوز عند أهل العلم أن يقاس على الابعد ويترك الأقرب . ولزمنا أن لا نسلم دينارا في موزون من طعام أبدا ولا غيره ، كما لا يجوز أن نسلم دينارا في موزون من فضة ، ولا أعلم المسلمين اختلفوا في أن الدنانير والدراهم يسلمان في كل شئ ، إلا أن أحدهما لا يسلم في الآخر . لا ذهب في ذهب ، ولا ورق في ورق ، إلا في الفلوس فإن منهم من كرهه ( 2 ) .

--> ( 1 ) قوله : فلا يوجد في الكيل والوزن الخ كذا بالأصول التي بأيدينا . ولعل في الكلام استخداما ، أراد بالكيل والوزن ، المكيل ، والموزون ، وأعاد الضمير عليهما بالمعنى المصدري . وانظر اه‍ مصححه . ( 2 ) وترجم في سير الأوزاعي بيع الدرهم بالدرهمين في أرض الحرب ( قال ) أبو حنيفة : لو أن مسلما دخل أرض الحرب بأمان فباعهم الدرهم بالدرهمين ، لم يكن بذلك بأس ، لأن أحكام المسلمين لا تجرى عليهم ، فبأي وجه أخذ أموالهم برضا منهم ، فهو جائز ( وقال ) الأوزاعي : الربا عليه حرام في دار الحرب وغيرها ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وضع ربا أهل الجاهلية ما أدركه الاسلام من ذلك ، وكان أول ربا وضعه ، ربا العباس بن عبد المطلب ، فكيف يستحل المسلم أكل الربا في قوم قد حرم الله عز وجل عليهم دمائهم وأموالهم ، وقد كان المسلم يبايع الكافر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يستحل ذلك ( قال ) أبو يوسف : القول ما قال الأوزاعي ، لا يحل هذا عندنا ولا يجوز ، بلغتنا الآثار التي ذكر الأوزاعي في الربا ، وإنما أحل أبو حنيفة هذا ، لأن بعض المشيخة حدثنا عن مكحول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا ربا بين أهل الحرب " وقال أبو يوسف : وأهل الاسلام في قولهم : إنهم لم يتقابضوا ذلك حتى يخرجوا إلى دار الاسلام أبطله ، ولكنه كان يقول : إذا تقابضوا في دار الحرب قبل أن يخرجوا إلى دار الاسلام ، فهو مستقيم ( قال ) الشافعي رحمه الله : القول كما قال الأوزاعي وأبو يوسف ، والحجة كما احتج الأوزاعي ، وما احتج به أبو يوسف لأبي حنيفة ، ليس بثابت ، فلا حجة فيه اه‍ .