ابن منظور
57
لسان العرب
أَنه علَّم رجلًا أَن يقول إذا نام وقال : فإِنك إن مُتَّ من ليلتك مُتَّ على الفِطْرةِ . قال : وقوله فأَقِمْ وجهك للدين حنيفاً فِطْرَةَ الله التي فَطَرَ الناسَ عليها ؛ فهذه فِطْرَة فُطِرَ عليها المؤمن . قال : وقيل فُطِرَ كلُّ إنسان على معرفته بأَن الله ربُّ كلِّ شيء وخالقه ، والله أَعلم . قال : وقد يقال كل مولود يُولَدُ على الفِطْرة التي فَطَرَ الله عليها بني آدم حين أَخرجهم من صُلْب آدم كما قال تعالى : وإذ أَخذ ربُّكَ من بني آدم من ظهورهم ذُرّياتهم وأَشهدهم على أَنفسهم أَلَسْتُ بربكم قالوا بَلى . وقال أَبو عبيد : بلغني عن ابن المبارك أَنه سئل عن تأْويل هذا الحديث ، فقال : تأْويله الحديث الآخر : أَن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، سُئِل عن أَطفال المشركين فقال : الله أَعلم بما كانوا عاملين ؛ يَذْهَبُ إلى أَنهم إنما يُولدون على ما يَصيرون إليه من إسلامٍ أَو كفرٍ . قال أَبو عبيد : وسأَلت محمد بن الحسن عن تفسير هذا الحديث فقال : كان هذا في أول الإِسلام قبل نزول الفرائض ؛ يذهب إلى أَنه لو كان يُولدُ على الفِطْرَةِ ثم مات قبل أَن يُهَوِّدَه أَبوان ما وَرِثَهُما ولا وَرِثَاه لأَنه مسلم وهما كافران ؛ قال أَبو منصور : غَبَا على محمد بن الحسن معنى قوله الحديث فذهب إلى أَنَّ قول رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : كلُّ مولود يُولد على الفِطْرةِ ، حُكْم من النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قبل نزول الفرائض ثم نسخ ذلك الحُكْم من بَعْدُ ؛ قال : وليس الأَمرُ على ما ذهب إليه لأَن معنى كلُّ مولود يُولد على الفِطْرةِ خبر أَخبر به النبي ، صلى الله عليه وسلم ، عن قضاءٍ سبقَ من الله للمولود ، وكتابٍ كَتَبَه المَلَكُ بأَمر الله جل وعز من سعادةٍ أَو شقاوةٍ ، والنَّسْخ لا يكون في الأَخْبار إنما النسخ في الأَحْكام ؛ قال : وقرأْت بخط شمر في تفسير هذين الحديثين : أَن إِسحق ابن إِبراهيم الحَنْظلي روى حديثَ أَبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي ، صلى الله عليه وسلم : كلُّ مولودٍ يُولد على الفطرة [ الحديث ] ثم قرأَ أَبو هريرة بعدما حَدَّثَ بهذا الحديث : فِطْرَةَ الله التي فَطَرَ الناس عليها ، لا تَبْديل لخَلْقِ الله . قال إسحق : ومعنى قول النبي ، صلى الله عليه وسلم ، على ما فَسَّر أَبو هريرة حين قَرَأَ : فِطْرَةَ الله ، وقولَه : لا تبديل ، يقول : لَتلْكَ الخلقةُ التي خَلَقهم عليها إِمَّا لجنةٍ أَو لنارٍ حين أَخْرَجَ من صُلْب آدم ذرية هو خالِقُها إلى يوم القيامة ، فقال : هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار ، فيقول كلُّ مولودٍ يُولَدُ على تلك الفِطْرةِ ، أَلا ترى غلامَ الخَضِر ، عليه السلام ؟ قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : طَبَعه الله يوم طَبَعه كافراً وهو بين أَبوين مؤمنين فأَعْلَمَ الله الخضرَ ، عليه السلام ، بِخلْقته التي خَلَقَه لها ، ولم يُعلم موسى ، عليه السلام ، ذلك فأَراه الله تلك الآية ليزداد عِلْماً إلى علمه ؛ قال : وقوله فأَبواه يُهوِّدانِه ويُنَصِّرانِه ، يقول : بالأَبوين يُبَيِّن لكم ما تحتاجون إليه في أَحكامكم من المواريث وغيرها ، يقول : إذا كان الأَبوان مؤمنين فاحْكُموا لِولدهما بحكم الأَبوين في الصلاة والمواريث والأَحكام ، وإن كانا كافرين فاحكموا لولدهما بحكم الكفر . . . ( 1 ) . أَنتم في المواريث والصلاة ؛ وأَما خِلْقَته التي خُلِقَ لها فلا عِلْمَ لكم بذلك ، أَلا ترى أَن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، حين كَتَبَ إليه نَجْدَةُ في قتل صبيان المشركين ، كتب إليه : إنْ علمتَ من صبيانهم ما عَلِمَ الخضُر من الصبي الذي قتله فاقْتُلْهُم ؟ أَراد به أَنه لا يعلم عِلْمَ الخضرِ أَحدٌ في ذلك لما خصه الله به كما خَصَّه بأَمر السفينة والجدار ، وكان مُنْكَراً في الظاهر فَعَلَّمه الله علم الباطن ، فَحَكَم بإرادة الله
--> ( 1 ) كذا بياض بالأصل .