ابن منظور
251
لسان العرب
وهجرت عائشة ابنَ الزُّبَيْرِ مُدَّةً ، وهَجَر جماعة من الصحابة جماعة منهم وماتوا متهاجرين ؛ قال ابن الأَثير : ولعل أَحد الأَمرين منسوخ بالآخر ، ومن ذلك ما جاء في الحديث : ومن الناس من لا يذكر الله إِلا مُهاجِراً ؛ يريد هِجْرانَ القلب وتَرْكَ الإِخلاص في الذكر فكأَنَّ قلبه مهاجر للسانه غير مُواصِلٍ له ؛ ومنه حديث أَبي الدرداء ، رضي الله عنه : ولا يسمعون القرآن إِلا هَجْراً ؛ يريد الترك له والإِعراض عنه . يقال : هَجَرْتُ الشيء هَجْراً إِذا تركته وأَغفلته ؛ قال ابن الأَثير : رواه ابن قتيبة في كتابه : ولا يسمعون القول إِلا هُجْراً ، بالضم ، وقال : هو الخنا والقبيح من القول ، قال الخطابي : هذا غلط في الرواية والمعنى ، فإِن الصحيح من الرواية ولا يسمعون القرآن ، ومن رواه القول فإِنما أَراد به القرآن ، فتوهم أَنه أَراد به قول الناس ، والقرآنُ العزيز مُبَرَّأٌ عن الخنا والقبيح من القول . وهَجَر فلان الشِّرْك هَجْراً وهِجْراناً وهِجْرَةً حَسَنَةً ؛ حكاه عن اللحياني . والهِجْرَةُ والهُجْرَةُ : الخروج من أَرض إِلى أَرض . والمُهاجِرُونَ : الذين ذهبوا مع النبي ، صلى الله عليه وسلم ، مشتق منه . وتَهَجَّرَ فلان أَي تشبه بالمهاجرين . وقال عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه : هاجِرُوا ولا تَهَجَّروا ؛ قال أَبو عبيد : يقول أَخْلِصُوا الهِجْرَةَ لله ولا تَشَبَّهُوا بالمهاجِرِينَ على غير صحة منكم ، فهذا هو التَّهَجُّر ، وهو كقولك فلان يَتَحَلَّم وليس بحليم ويَتَشَجَّع أَي أَنه يظهر ذلك وليس فيه . قال الأَزهري : وأَصل المُهاجَرَةِ عند العرب خروجُ البَدَوِيّ من باديته إِلى المُدنِ ؛ يقال : هاجَرَ الرجلُ إِذا فعل ذلك ؛ وكذلك كل مُخْلٍ بِمَسْكَنِه مُنْتَقِلٍ إِلى قوم آخرين بِسُكناه ، فقد هاجَرَ قومَه . وسمي المهاجرون مهاجرين لأَنهم تركوا ديارهم ومساكنهم التي نَشَؤُوا بها لله ، ولَحِقُوا بدار ليس لهم بها أَهل ولا مال حين هاجروا إِلى المدينة ؛ فكل من فارق بلده من بَدَوِيٍّ أَو حَضَرِيٍّ أَو سكن بلداً آخر ، فهو مُهاجِرٌ ، والاسم منه الهِجْرة . قال الله عز وجل : ومن يُهاجِرْ في سبيل الله يَجِدْ في الأَرض مُراغَماً كثيراً وسَعَةً . وكل من أَقام من البوادي بِمَنادِيهم ومَحاضِرِهم في القَيْظِ ولم يَلْحَقُوا بالنبي ، صلى الله عليه وسلم ، ولم يتحوّلوا إِلى أَمصار المسلمين التي أُحدثت في الإِسلام وإِن كانوا مسلمين ، فهم غير مهاجرين ، وليس لهم في الفَيْءِ نصيب ويُسَمَّوْنَ الأَعراب . الجوهري : الهِجْرَتانِ هِجْرَةٌ إِلى الحبشة وهجرة إِلى المدينة . والمُهاجَرَةُ من أَرض إِلى أَرض : تَرْكُ الأُولى للثانية . قال ابن الأَثير : الهجرة هجرتان : إِحداهما التي وعد الله عليها الجنةَ في قوله تعالى : إِن الله اشترى من المؤمنين أَنْفُسَهم وأَموالَهم بأَن لهم الجنَّة ، فكان الرجل يأْتي النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ويَدَعُ أَهله وماله ولا يرجع في شيء منه وينقطع بنفسه إِلى مُهاجَرِه ، وكان النبي ، صلى الله عليه وسلم ، يكره أَن يموت الرجل بالأَرض التي هاجر منها ، فمن ثم قال : لكن البائِسُ سَعْدُ بن خَوْلَةَ ، يَرْثي له أَن ماتَ بمكة ، وقال حين قدم مكة : اللهم لا يَجْعَلْ مَنايانا بها ؛ فلما فتحت مكة صارت دار إِسلام كالمدينة وانقطعت الهجرة ؛ والهجرة الثانية من هاجر من الأَعراب وغزا مع المسلمين ولم يفعل كما فعل أَصحاب الهجرة الأُولى ، فهو مهاجر ، وليس بداخل في فضل من هاجر تلك الهجرة ، وهو المراد بقوله : لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ، فهذا وجه الجمع بين الحديثين ، وإِذا أَطلق ذكر الهجرتين فإِنما يراد بهما هجرة الحبشة وهجرة المدينة . وفي الحديث : سيكون هِجْرَةٌ بعد هِجْرَة ، فخيار أَهل الأَرض أَلْزَمُهُمْ مُهاجَرَ إِبراهيمَ ؛