ابن منظور
98
لسان العرب
وامْدَحْ سَراةَ بَني فُقَيْمٍ ، إِنَّهُمْ * قَتَلُوا أَباكَ ، وثَأْرُه لم يُقْتَلِ قال ابن بري : هو يخاطب بهذا الشعر الفرزدق ، وذلك أَن ركباً من فقيم خرجوا يريدون البصرة وفيهم امرأَة من بني يربوع بن حنظلة معها صبي من رجل من بني فقيم ، فمرّوا بخابية من ماء السماء وعليها أَمة تحفظها ، فأَشرعوا فيها إِبلهم فنهتهم الأَمة فضربوها واستقوا في أَسقيتهم ، فجاءت الأَمة أَهلها فأَخبرتهم ، فركب الفرزدق فرساً له وأَخذ رمحاً فأَدرك القوم فشق أَسقيتهم ، فلما قدمت المرأَة البصرة أَراد قومها أَن يثأَروا لها فأَمرتهم أَن لا يفعلوا ، وكان لها ولد يقال له ذكوان بن عمرو بن مرة بن فقيم ، فلما شبّ راضَ الإِبل بالبصرة فخرج يوم عيد فركب ناقة له فقال له ابن عم له : ما أَحسن هيئتك يا ذكوان لو كنت أَدركت ما صُنع بأُمّك . فاستنجد ذكوان ابن عم له فخرج حتى أَتيا غالباً أَبتا الفرزدق بالحَزْنِ متنكرين يطلبان له غِرَّةً ، فلم يقدرا على ذلك حتى تحمَّل غالب إِلى كاظمة ، فعرض له ذكوان وابن عمه فقالا : هل من بعير يباع ؟ فقال : نعم ، وكان معه بعير عليه معاليق كثيرة فعرضه عليهما فقالا : حط لنا حتى ننظر إِليه ، ففعل غالب ذلك وتخلف معه الفرزدق وأَعوان له ، فلما حط عن البعير نظرا إِليه وقالا له : لا يعجبنا ، فتخلف الفرزدق ومن معه على البعير يحملون عليه ولحق ذكوان وابن عمه غالباً ، وهو عديل أُم الفرزدق ، على بعير في محمل فعقر البعير فخر غالب وامرأَته ثم شدّا على بعير جِعْثِنَ أُخت الفرزدق فعقراه ثم هربا ، فذكروا أَن غالباً لم يزل وجِعاً من تلك السَّقْطَةِ حتى مات بكاظمة . والمثْؤُور به : المقتولُ . وتقول : يا ثاراتِ فلان أَي يا قتلة فلان . وفي الحديث : يا ثاراتِ عثمان أَي يا أَهل ثاراته ، ويا أَيها الطالبون بدمه ، فحذف المضاف وأَقام المضاف إِليه مقامه ؛ وقال حسان : لَتَسْمَعَنَّ وَشِيكاً في دِيارِهِمُ : * الله أَكْبَرُ ، يا ثاراتِ عُثْمانا الجوهري : يقال يا ثارات فلان أَي يا قتلته ، فعلى الأَوّل يكون قد نادى طالبي الثأْر ليعينوه على استيفائه وأَخذه ، والثاني يكون قد نادى القتلة تعريفاً لهم وتقريعاً وتفظيعاً للأَمر عليهم حتى يجمع لهم عند أَخذ الثَّأْرِ بين القتل وبين تعريف الجُرْمِ ؛ وتسميتُه وقَرْعُ أَسماعهم به ليَصْدَعَ قلوبهم فيكون أَنْكَأَ فيهم وأَشفى للناس . ويقال : اثَّأَرَ فلان من فلان إِذا أَدرك ثَأْرَه ، وكذلك إِذا قتل قاتل وليِّه ؛ وقال لبيد : والنِّيبُ إِنْ تَعْرُ مِنّي رِمَّةً خَلَقاً ، * بَعْدَ الْمَماتِ ، فإِنّي كُنْتُ أَثَّئِرُ أَي كنت أَنحرها للضيفان ، فقد أَدركت منها ثَأْري في حياتي مجازاة لتَقَضُّمِها عظامي النَّخِرَةَ بعد مماتي ، وذلك أَن الإِبل إِذا لم تجد حَمْضاً ارْتَمَّتْ عِظَامَ الموتَى وعِظامَ الإِبل تُخْمِضُ بها . وفي حديث عبد الرحمن يوم الشُّورَى : لا تغمدوا سيوفكم عن أَعدائكم فَتُوتِروا ثأْرَكُمْ ؛ الثَّأْرُ ههنا : العدو لأَنه موضع الثأْر ، أَراد انكم تمكنون عدوّكم من أَخذ وَتْرِه عندكم . يقال : وَتَرْتُه إِذا أَصبته بِوَترٍ ، وأَوْتَرْتُه إِذا أَوْجَدْتَه وَتْرَه ومكنته منه . واثَّأَر : كان الأَصل فيه اثْتَأَرَ فأُدغمت في الثاء وشدّدت ، وهو افتعال ( 1 ) من ثأَرَ . والثَّأْرُ المُنِيمُ : الذي يكون كُفُؤاً لِدَمِ وَلِيِّكَ .
--> ( 1 ) قوله : [ وهو افتعال إِلخ ] أَي مصدر اثتأَر افتعال من ثأَر .