ابن منظور
6
لسان العرب
كتابه هذا الصحاح للجوهري وحاشيته لابن بري ، والتهذيب للأزهري ، والمحكم لابن سيده ، والجمهرة لابن دريد ، والنهاية لابن الأثير ، وغير ذلك ، فهو يغنى عن سائر كتب اللغة ، إذ هي بجملتها لم تبلغ منها ما بلغه . قال الإمام محمد بن الطيب محشي القاموس ، وهو عجيب في نقوله وتهذيبه ، وتنقيحه وترتيبه ، الا انه قليل بالنسبة لغيره من المصنفات المتداولة ، وزاحم عصره صاحب القاموس رحم الله الجميع انتهى . وسبب قلته كبر حجمه وتطويل عبارته ، فإنه ثلاثون مجلدا ، فالمادة التي تملأ في القاموس صفحة واحدة تملأ فيه أربع صفحات بل أكثر ، ولهذا عجزت طلبة العلم عن تحصيله والانتفاع به . وبالجملة فهو كتاب لغة ، ونحو ، وصرف ، وفقه ، وأدب ، وشرح للحديث الشريف ، وتفسير للقران الكريم ، فصدق عليه المثل : ان من الحسن لشقوة . ولولا أن الله تبارك وتعالى أودع فيه سرا مخصوصا لما بقي إلى الان ، بل كان لحق بنظرائه من الأمهات المطولة التي إغتالتها طوارق الحدثان : كالموعب لعيسى ابن غالب التياني ، والبارع لأبي علي القالي ، والجامع للقزاز ، غيرها مما لم يبق له عين ولا اثر ، الا في ذكر اللغويين حين ينو هون بمن ألف في اللغة وأثر ، فالحمد لله مولي النعم ومؤتي الهمم على أن حفظه لنا مصونا من تعاقب الأحوال ، وتناوب الأحوال ، كما نحمده على أن ألهم في هذه الأيام سيدنا الخديو المعظم ، العزيز ابن العزيز ابن العزيز محمد توفيق المحمود بين العرب والعجم ، والمحفوف بالتوفيق لكل صلاح جم ، وفلاح عم ، إلى أن يكون هذا الكتاب الفريد بالطبع منشورا ، ونفعه في جميع الأقطار مشهورا ، بعد أن كان دهرا طويلا كالكنز المدفون ، والدر المكنون . وذلك بمساعي امين دولته ، وشاكر نعمته ، الشهم الهمام ، الذي ذاعت مآثره بين الأنام ، وسرت محامده في الآفاق : حسين حسني بك ناظر مطبعة بولاق ، وهمة ذي العزم المتين ، والفضل المكين ، الراقي في معارج الكمال إلى الأوج ، العلم الفرد الذي يفضل كل فوج ، من إذا أدلهم عليك أمر يرشدك بصائب فكره ويهديك : حضرة حسين أفندي على الديك ، فإنه حفظه الله شمر عن ساعد الجد حتى احتمل عب ء هذا الكتاب وبذل في تحصيله نفيس ماله ، رغبة في عموم نفعه ، واغتناما لجميل الثناء وجزيل الثواب . فدونك كتابا علا بقدمه على هام السها ، وغازل أفئدة البلغاء مغازلة ندمان الصفاء عيون المها ، ورد علينا أنموذجه ، فإذا هو يتيم اللؤلؤ منضد في سموط النضار ، يروق نظيمه الألباب ويبهج نثيره الانظار ، بلغ ، من حسن الطبع وجماله ، ما شهرته ورؤيته تغنيك عن الاطراء . ومن جيد الصحة ما قام به الجم الغفير من جهابذة النجباء ، جمعوا له ، على ما بلغنا ، شوارد النسخ المعتبرة والمحتاج إليه من المواد ، وعثروا ، أثناء ذلك ، على نسخة منسوبة للمؤلف ، فبلغوا من مقصودهم المراد . وجلبوا غير ذلك ، من خزائن الملوك ومن كل فج ، وأنجدوا في تصحيح فرائده ، وأتهموا وأنتجعوا ، في تطبيق شواهده ، كل منتجع ، وتيمموا حتى بلغوا أقاصي الشام والعراق ووج . أعانهم الله على صنيعهم حتى يصل إلى حد الكمال ، وأتم لهم نسيجهم على أحكم منوال ، وجزى الله حضرة ناظر هم أحسن الجزاء ، وشكره على حسن مساعيه وحباه جميل الحباء ، فان هذه نعمة كبرى على جميع المسلمين ، يجب أن يقابلوها بالشكر والدعاء على ممر السنين ، كلما تلوا : ان الله يحب المحسنين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين . في 17 رجب المعظم سنة 1300 كتبه الفقير إلى ربه الواهب احمد فارس صاحب الجوائب