ابن منظور

14

لسان العرب

فالأرفع ، حتى أتى على آخر الحروف ، فقلب الحروف عن مواضعها ، ووضعها على قدر مخرجها من الحلق . وهذا تأليفه وترتيبه : العين والحاء والهاء والخاء والغين والقاف والكاف والجيم والشين والضاد والصاد والسين والزاي والطاء والدال والتاء والظاء والذال والثاء والراء واللام والنون والفاء والباء والميم والياء والواو والألف . وهذا هو ترتيب المحكم لابن سيده ، إلا أنه خالفه في الأخير ، فرتب بعد الميم الألف والياء والواو . ولقد أنشدني شخص بدمشق المحروسة أبياتا ، في ترتيب المحكم ، هي أجود ما قيل فيها : عليك حروفا هن خير غوامض ، * قيود كتاب ، جل ، شانا ، ضوابطه صراط سوي ، زل طالب دحضه ، * تزيد ظهورا ذا ثبات روابطه لذلكم نلتذ فوزا بمحكم ، * مصنفه ، أيضا ، يفوز وضابطه وقد انتقد هذا الترتيب على من رتبه . وترتيب سيبويه على هذه الصورة : الهمزة والهاء والعين والحاء والخاء والغين والقاف والكاف والضاد والجيم والشين واللام والراء والنون والطاء والدال والتاء والصاد والزاي والسين والظاء والذال والثاء والفاء والباء والميم والياء والألف والواو . واما تقارب بعضها من بعض وتباعدها ، فان لها سرا ، في النطق ، يكشفه من تعناه ، كما انكشف لنا سره في حل المترجمات ، لشدة احتياجنا إلى معرفة ما يتقارب بعضه من بعض ، ويتباعد بعضه من بعض ، ويتركب بعضه مع بعض ، ولا يتركب بعضه مع بعض ، فان من الحروف ما يتكرر ويكثر في الكلام استعماله ، وهو : ا ل م ه وي ن ، ومنها ما يكون تكراره دون ذلك ، وهو : ر ع ف ت ب ك د س ق ح ج ، ومنها ما يكون تكراره أقل من ذلك ، وهو : ظ غ ط ز ث خ ض ش ص ذ . ومن الحروف ما لا يخلو منه أكثر الكلمات ، حتى قالوا : ان كل كلمة ثلاثية فصاعدا لا يكون فيها حرف أو حرفان منها ، فليست بعربية ، وهي ستة أحرف : د ب م ن ل ف ، ومنها ما لا يتركب بعضه مع بعض ، إذا اجتمع في كلمة ، إلا أن يقدم ، ولا يجتمع ، إذا تأخر ، وهو : ع ه ، فان العين إذا تقدمت تركبت ، وإذا تأخرت لا تتركب ، ومنها ما لا يتركب ، إذا تقدم ، ويتركب ، إذا تأخر ، وهو : ض ج ، فان الضاد إذا تقدمت ( 1 ) تركبت ، وإذا تأخرت لا تتركب في أصل العربية ، ومنها مالا يتركب بعضه مع بعض لا إن تقدم ولا إن تأخر ، وهو : س ث ض ز ظ ص ، فاعلم ذلك . وأما خواصها : فان لها أعمالا عظيمة تتعلق بأبواب جليلة من أنواع المعالجات ، وأوضاع الطلسمات ، ولها نفع شريف بطبائعها ، ولها خصوصية بالأفلاك المقدسة وملائمة لها ، ومنافع لا يحصيها من يصفها ، ليس هذا موضع ذكرها ، لكنا لا بد ان نلوّح بشئ من ذلك ، ننبه على مقدار نعم الله تعالى على من كشف له سرها ، وعلمه علمها ، وأباح له التصرف بها . وهو أن منها ما هو حار يابس طبع النار ، وهو : الألف والهاء والطاء والميم والفاء والشين والذال ، وله خصوصية بالمثلثة النارية ، ومنها ما هو بارد يابس طبع التراب ، وهو : الباء والواو والياء والنون والصاد والتاء والضاد ، وله خصوصية بالمثلثة الترابية ، ومنها ما هو حار رطب طبع الهواء ، وهو : الجيم والزاي والكاف والسين والقاف والثاء والظاء ، وله

--> قوله " فان الضاد إذا تقدمت الخ " الأولى في التفريع ان يقال فان الجيم إذا تقدمت لا تتركب وإذا تأخرت تتركب وإن كان ذلك لازما لكلامه .