الإمام الشافعي
270
كتاب الأم
من مر بحائط ، فله أن يأكل ، ولا يتخذ خبنة ، وروى فيه حديث ، لو كان يثبت مثله عندنا ، لم نخالفه ، والكتاب والحديث الثابت ، أنه لا يجوز أكل مال أحد إلا بإذنه ، ولو اضطر رجل فخاف الموت ثم مر بطعام لرجل ، لم أر بأسا أن يأكل منه ، ما يرد من جوعه ، ويغرم له ثمنه ، ولم أر للرجل أن يمنعه في تلك الحال ، فضلا من طعام عنده ، وخفت أن يضيق ذلك عليه ، ويكون أعان على قتله ، إذا خاف عليه بالمنع القتل . ( جماع ما يحل ويحرم أكله وشربه مما يملك الناس ) ( قال الشافعي ) رحمه الله : أصل ما يملك الناس مما يكون مأكولا ومشروبا ، شيئان . أحدهما ، ما فيه روح ، وذلك الذي فيه محرم وحلال ، ومنه ما لا روح فيه ، وذلك كله حلال ، إذا كان بحاله التي خلقه الله بها وكان الآدميون لم يحدثوا فيه صنعة خلطوه بمحرم ، أو اتخذوه مسكرا ، فإن هذا محرم ، وما كان منه سما يقتل رأيته محرما ، لان الله عز وجل ، حرم قتل النفس على الآدميين . ثم قتلهم أنفسهم خاصة ، وما كان منه خبيثا قذرا فقد تركته العرب تحريما له بقذره . ويدخل في ذلك ، ما كان نجسا . وما عرفه الناس سما يقتل ، خفت أن لا يكون لاحد رخصة في شربه ، لدواء ولا غيره ، وأكره قليله وكثيره ، خلطه غيره أو لم يخلطه . وأخاف منه على شاربه وساقيه ، أن يكون قاتلا نفسه ومن سقاه . وقد قيل : يحرم الكثير البحت منه ، ويحل القليل الذي الأغلب منه أن ينفع ولا يبلغ أن يكون قاتلا ، وقد سمعت بمن مات من قليل ، قد برأ منه غيره ، فلا أحبه ، ولا أرخص فيه بحال ، وقد يقاس الكثير السم ، ولا يمنع هذا أن يكون يحرم شربه . ( تفريع ما يحل ويحرم ) ( قال الشافعي ) رحمه الله قال الله تعالى " أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم " فاحتمل قول الله تبارك وتعالى " أحلت لكم بهيمة الأنعام " إحلالها دون ما سواها ، واحتمل إحلالها بغير حظر ما سواها . واحتمل قول الله تبارك وتعالى " وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه " وقوله عز وجل " قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به " وقوله " فكلوا مما ذكر اسم الله عليه " وما أشبه هؤلاء الآيات ، أن يكون أباح كل مأكول لم ينزل تحريمه في كتابه نصا ، واحتمل كل مأكول من ذوات الأرواح لم ينزل تحريمه بعينه نصا أو تحريمه على لسانه نبيه صلى الله عليه وسلم ، فيحرم بنص الكتاب وتحليل الكتاب بأمر الله عز وجل بالانتهاء إلى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم فيكون إنما حرم بالكتاب في الوجهين : فلما احتمل أمر هذه المعاني ، كان أولاها بنا ، الاستدلال على ما يحل ويحرم بكتاب الله ثم سنة تعرب عن كتاب الله أو أمر أجمع المسلمون عليه ، فإنه لا يمكن في اجتماعهم أن يجهلوا لله حراما ولا حلالا إنما يمكن في بعضهم ، وأما في عامتهم فلا ، وقد وضعنا هذا مواضعه على التصنيف .