ابن الجوزي

62

كشف المشكل من حديث الصحيحين

الحديث قول النبي [ صلى الله عليه وسلم ] لأبي سعيد بن المعلى حين دعاه وهو في الصلاة فلم يجبه : « ما منعك إذ دعوتك أن تجيبني . ألم يقل الله عز وجل : * ( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ) * ( 1 ) ؟ [ الأنفال : 24 ] ولم يفسح له بالتأخير إلى أن تنقضي الصلاة . ومن أدلة اللغة أن الألفاظ المطلقة يفيد مقتضاها عقيب وجودها ؛ ولهذا وقع حكم اللفظ عقيب اللفظ ، كالبيع والطلاق ، ولهذا أجمع اللغويون على أن السيد إذا قال لعبده : قم ، فتوقف من غير عذر أنه يحسن لومه وعقابه . فإذا ثبت هذا الأصل قلنا : قد اختلف أولا في قدوم ضمام ، فروي أنه كان في سنة تسع ، فيكون معنى قول جابر : مكث تسعا لم يحج : أي لم يخاطب بذلك . وروي أنه كان في سنة خمس ( 2 ) ، فعلى هذا نقول : ما قعد عن الحج تسعا . وإنما هذا ذكر الزمان الذي لم يقع فيه الحج وإن سلم أن الحج تقدم فرضه فتأخير الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] له قضية في عين ، فهي تحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون الله عز وجل أعلم نبيه أنه لا يموت حتى يحج فأخره ثقة بالإدراك ، وهذا جواب أبي زيد الحنفي . والثاني : أن يكون أخره لعذر ، بدليل اتفاقنا على أن تقديمه أفضل ولم يكن ليترك الأفضل إلا لعذر . وقد ذكروا له خمسة أعذار : أحدها : الفقر . والثاني : الخوف على نفسه ، ولهذا كان يحرس إلى أن نزل عليه * ( والله يعصمك من الناس ) * [ المائدة : 67 ] والثالث : الخوف على المدينة من المشركين . والرابع : أن يكون رأى تقديم الجهاد

--> ( 1 ) البخاري ( 4474 ) . ( 2 ) ينظر « الطبقات » ( 1 / 228 ) ، و « الإصابة » السابق .