ابن الجوزي
31
كشف المشكل من حديث الصحيحين
هزة : أي ارتياح وطلاقه ، قاله ابن قتيبة . وقد أنكر قوم أن يكون المراد عرش الله عز وجل ، وقالوا : هو السرير الذي حمل عليه ، فروى « البخاري » في هذا الحديث أن رجلا قال لجابر : إن البراء يقول : اهتز السرير ، فقال : إنه كان بين هذين الحيين ضغائن ، سمعت رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يقول : « اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ » ويقصد بالحيين الأوس والخزرج ، والضغائن كانت بينهم قبل الإسلام ، وكان سعد من الأوس والبراء من الخزرج ، وكل منهم لا يقر بفضل صاحبه عليه . والضغائن : الأحقاد والعداوة . ويروى عن ابن عمر أنه قال : إن العرش لا يهتز لموت أحد ، ولكنه سريره حمل عليه . فهذان الشخصان - أعني البراء وابن عمر - لاحظا تعظيم العرش ؛ فإن الله عز وجل نسبه إليه نسبة الصفات فقال : * ( ذو العرش ) * كما قال : * ( ذو الرحمة ) * [ الأنعام : 133 ] ولا شك في تعظيمه ، غير أن المؤمن أعظم ، وإنما تأول ما ليس بصريح ، وعرش الرحمن لفظ صريح لا يحتمل التأويل ، ولو بلغهما هذا اللفظ ما تأولا . ثم أي فخر في اهتزاز سرير ؟ وكل سرير لميت يهتز عند تجاذب الرجال إياه ( 1 ) . فإن قيل : ما فائدة اهتزاز العرش لمثل هذه الأشياء ؟ فالجواب : أن الله سبحانه لما كان يفعل ولا ينفعل ، إذ ليس بجسم ولا ذي مزاج وطبع ، أراد إعلام خلقه وملائكته مقادير عظم الحوادث عنده ، طاعة كانت أو معصية ، فيسلط الانفعال على ذوات من خلقه تقبل الانفعال ، كزلزلة الأرض ودك الجبال واهتزاز العرش ، ليعلم العالم مقدار ذلك عنده ، والخالق سبحانه أبدا يقيم المخلوقات للمخلوقين معالم
--> ( 1 ) « تأويل مختلف الحديث » ( 265 ) ، وينظر « الفتح » ( 7 / 123 ، 124 ) .