ابن الجوزي
134
كشف المشكل من حديث الصحيحين
فيقولون : إن لنا ربا كنا نعبده في الدنيا لم نره . قال : وتعرفونه إذا رأيتموه ؟ فيقولون : نعم ، فيقال لهم : وكيف تعرفونه ولم تروه ؟ قالوا : إنه لا شبه له ، فيكشف لهم الحجاب ، فينظرون إلى الله تبارك وتعالى فيخرون له سجدا ، ويبقى أقوام في ظهورهم مثل صياصي البقر ، فيريدون السجود فلا يستطيعون ، فذلك قول الله عز وجل : * ( يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ) * [ القلم : 42 ] فيقول الله عز وجل : عبادي ، ارفعوا رؤوسكم ، فقد جعلت بدل كل رجل منكم رجلا من اليهود والنصارى في النار » ( 1 ) . وكان ابن عقيل يقول : الصورة على الحقيقة تقع على التخاطيط والأشكال ، وذلك من صفات الأجسام ، والذي صرفنا عن كونه جسما من الأدلة النطقية قوله : ( ليس كمثله شيء ) [ الشورى : 11 ] ومن أدلة العقول أنه لو كان جسما لكانت صورته عرضا ، ولو كان جسما حاملا للأعراض لجاز عليه ما يجوز على الأجسام ، واحتاج إلى ما احتاجت إليه من الصانع ولو جاز قدمه مع كونه جسما لما امتنع قدم أحدنا ، فليس لله سبحانه عندها ، ولا القوم الذي أنكروا في القيامة صورة من صور الذوات ينكرونها ويأنسون بما سواها ، فأحوجتنا لذلك الأدلة إلى تأويل صورة تليق إضافتها إليه سبحانه ، ويصح عليها التغير والتعريف والتنكير ، وما ذلك إلا الحال التي يوقع عليها أهل اللغة اسم صورة ، فيقولون : كيف صورتك مع فلان ، وفلان على صورة من الفقر .
--> ( 1 ) الحديث بهذه الرواية في « تفسير القرطبي » ( 18 / 349 ) ، و « الدر المنثور » ( 6 / 292 ) عن ابن عساكر .