ابن الجوزي

85

كشف المشكل من حديث الصحيحين

عباس ، وجابر ، وعائشة ، وأم خالد ( 1 ) . وقد سأل قوم فقالوا : هل المعذب البدن أو الروح ؟ فإن قلتم الروح فالروح ليست في البدن المقبور ، وإن قلتم البدن فهو جماد ؟ فقد أجاب عن هذا أبو الوفاء بن عقيل فقال : الإيمان واجب بالتعذيب من غير تفصيل ، غير أن الذي يوجبه القياس أن التعذيب والتنعيم للأرواح التي أبدانها في القبور لأن الأرواح هي المقصود والبدن آلة ، ويدل عليه قوله تعالى : « كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب » [ النساء : 56 ] فأخبر بعلة التبديل ، وفهم من ذلك أن الجلود البالية لا تذوق العذاب لعدم الإحساس . فإن قيل : فكيف خص القبر بذلك ؟ قلنا : إنما عرف بالقبر ، والمراد صاحب القبر ، ومن الجائز أنه عليه السلام أدرك تعذيب تلك الأرواح التي أبدانها في القبور . قال : ومن الجائز أن يجعل بين البدن والروح نوع اتصال لا نعلمه ، ومن الجائز أن يخلق الله عز وجل في البدن إدراكا للتعذيب والتنعيم كما يخلق في بعض الحجارة فتخشع ، والله أعلم بحقيقة ذلك . ولا يجوز أن يقال : إنما يكون ذلك وقت السؤال ؛ فإن الروح ترد حينئذ ويكون التعذيب والتنعيم في ذلك الوقت ، لأنه أخبر في هذا الحديث أن اليهود يعذبون في قبورهم ولم يكن حينئذ وقت دفنهم . وسيأتي في حديث أنس أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] سمع صوتا من قبر فسأل « متى دفن هذا ؟ » فقالوا : في الجاهلية ، فأعجبه ذلك وقال : « لولا أن لا تدافنوا

--> ( 1 ) ينظر البخاري ( 216 ، 1370 ، 1372 ، 1373 ، 1374 ) ، ومسلم ( 292 ، 584 ، 866 - 2871 ) .