ابن الجوزي
66
كشف المشكل من حديث الصحيحين
537 / 648 - وفي الحديث الأول من أفراد البخاري : قال عمر : اقرؤنا أبي ، وأقضانا علي ، وإنا لندع من قول أبي ؟ وذلك أن أبيا يقول : لا أدع شيئا سمعته من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقد قال الله تعالى : * ( ما ننسخ من آية أو ننساها ) ( 1 ) * [ البقرة : 106 ] . وأما قول : أقرؤنا أبي وأقضانا علي ، فإنه قد يغلب على الإنسان من فنون العلم فن يفوق به ، وقد يرزق في ذلك الفن من التصرف ما لا يرزقه غيره وإن شاركه في العلم . وقوله : وإنا لندع من قول أبي . يعني : من قراءته ، وقد بين السبب في ذلك وهو أن العمل على العرض الأخير ، وقد كان النبي [ صلى الله عليه وسلم ] يعرض القرآن على جبريل ، وعرضه عليه قبل موته مرتين ( 2 ) . 538 / 649 - وفي الحديث الثاني : « لو أن لابن آدم واديا من ذهب لأحب أن يكون له واديان ، ولن يملأ فاه إلا التراب » ، وكنا نرى هذا من القرآن حتى نزل قوله « ألهاكم التكاثر » ( 3 ) . اعلم أن آثر الأشياء عند الإنسان نفسه ، فأحب الأشياء إليه بقاؤها ، ولشدة حبه البقاء لا ينقطع أمله من الحياة ولو عاين الموت ، فلما كان المال سببا للحياة أحب سبب البقاء والاستكثار منه لحبه البقاء . وقوله : « ولن يملأ فاه إلا التراب » الإشارة بالمعنى إلى حرصه ، وبالصورة إلى دفنه في القبر .
--> ( 1 ) البخاري ( 5005 ) وكتبت في النسختين * ( ننسأها ) * على قراءة أبي عمرو وابن كثير وقراءة سائر السبعة * ( ننسها ) * : السبعة ( 168 ) ، والكشف ( 1 / 258 ) . ونسأ : أخر . ( 2 ) قال ابن حجر « الفتح » ( 9 / 53 ) : « وكان أبي لا يرجع عما يحفظ ولو نسخ » . ( 3 ) البخاري ( 6439 ، 6440 ) .