ابن الجوزي
156
كشف المشكل من حديث الصحيحين
ويحتمل أن يكون كالإخبار عنه ، فيكون المعنى أنه قد اعتاد إدامة الصوم فارتفعت مشتقه عنه ، فكأنه ما صام ، ولا هو في عدد المفطرين لصورة الصوم . و « لا » تكون بمعنى ما . كقوله تعالى : « فلا صدق ولا صلى » [ القيامة : 31 ] وهذا في حق من صام الدهر كله . فأما إذا أفطر الأيام المحرمة فلا بأس . وقوله : « ويطيق ذاك أحد ؟ » ( 1 ) هذا تعظيم لهذا الأمر وبيان لصعوبته . وقوله : « وددت أني طوقت ذاك » أي أطقت ذلك . فإن قيل : من يقدر على الوصال كيف يصعب عليه هذا ؟ فالجواب : أنه كان يواصل في بعض الأوقات ، وربما عجز لطبع البشرية عن ذلك ، وقد كان يصلي في بعض الأوقات قاعدا ، ويحتمل أن يشير بالعجز إلى أن ذلك يمنعه من إيفاء أزواجه حقوقهن ، لأن الصوم يعجزه ، فكأنه قال : مع ما يجب علي من ذلك لا أطيق هذا . وقوله : « ثلاث من كل شهر ، ورمضان صوم الدهر » لما كانت الحسنة بعشر أمثالها كانت الثلاث قائمة مقام الشهر ، فهذه تشتمل النفل ، ورمضان هو الفرض . وأما صيام يوم عرفه ففي تسمية عرفة بهذا الاسم قولان : أحدهما : بأن جبريل كان يري إبراهيم المناسك ، فيقول : عرفت . والثاني : لأن آدم وحواء تعارفا هنالك ( 3 ) .
--> ( 1 ) وذلك إجابة لمن سأل : فكيف بمن يصوم يومين ويفطر يوما ؟ . ( 2 ) « المقاييس - عرف » ( 4 / 282 ) .