ابن الجوزي
113
كشف المشكل من حديث الصحيحين
وأما أبو جندل فحبسه أبوه في الحديد ومنعه الهجرة ، فلما خرج يوم الحديبية رد إلى أبيه ، فقال : يا معشر المسلمين ، أرد إلى المشركين ليفتنوني عن ديني ؟ فقال النبي [ صلى الله عليه وسلم ] : « يا أبا جندل ، لا بد من الوفاء ، فاصبر » وإنما رده ليتحقق الوفاء بالشرط ، ولما رأى في ذلك من المصلحة للمسلمين . ثم إنه إنما سلمة إلى أبيه والأب لا يقتل ابنه ، وغاية ما يصنع به أنه يحمله على كلمة الكفر ، وهي على وجه التقية مباحة ، ثم إن أبا جندل أفلت من أيديهم بعد ذلك وجاء إلى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، ولم يزل يغزو معه حتى مات رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، ثم خرج إلى الشام مجاهدا . ثم إن سهيل بن عمرو بعث يوم الفتح إلى ابنه عبد الله : اطلب لي جوارا من محمد . فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : « هو آمن بأمان الله فليظهر » ثم قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] لمن حوله : « من لقي سهيل بن عمرو فلا يشد النظر إليه . فلعمري ، إن سهيلا له عقل وشرف ، وما مثل سهيل من جهل الإسلام » فخرج سهيل مع النبي [ صلى الله عليه وسلم ] إلى حنين وهو على شركه حتى أسلم بالجعرانة ، فأعطاه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من غنائم حنين مائة من الإبل ، ولم يكن أحد من كبراء قريش الذين أسلموا يوم الفتح أكثر صلاة ولا صوما ولا صدقة منه ، وكان رقيق القلب ، كثير البكاء عند قراءة القرآن . ودخل معاذ إلى مكة فجعل يختلف إلى معاذ يقرأ عليه ، فقال له رجل : تختلف إلى هذا الخزرجي ، ألا اختلفت إلى رجل من قومك ، من قريش ، فقال : هذا الذي صنع بنا ما صنع حتى سبقنا كل السبق ، لقد رفع الله بالإسلام أقواما لا يذكرون ، فليتنا كنا معهم فتقدمنا ، ولقد شهدت مواطن أنا فيها معاند للحق ، وأنا وليت الكتاب