الشيخ الصدوق
مقدمة المصحح 13
كمال الدين وتمام النعمة
ومن أين أخذت نسختها ، ومن هو الذي صححها وقابلها ، وبعد الاغماض عن كل ذلك فما ظنك بكتب تتداولها أيدي الكتاب المحترفين وتتعاورها المطابع بشر من ذلك . والباحث فيها مهما أراد فهم جملة أو كلمة أو سطر وقع في الوحل ، فيقرؤها مرة ويعود ويضحي بنفسه ويجود ، ينظر تارة في المتن وأخرى في الحاشية ، ثم رفع رأسه فيتنفس ويقول : يا ليتها كانت القاضية هلك عني سلطانيه . فإذا به قد أضاع عمرا وبذل مجهودا ضحية لعب من ناشر أمي أو كاتب عامي . نعم : في غمار هذا اللجي ودياجير هذا الدامس تضئ قلة من الكتب صححها أعلام من العلماء وجماعة من الفضلاء آجرهم الله عن الاسلام وهي التي يعتمد عليها من المطبوعات فحسب . وأما الكتبيون فهم جماعة أكثرهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ، يجترحون جرائم يسمونها كتبا ، ينشرونها في الأسواق ، تتناولها أيدي الناس باعظام وإكبار ، يحسبونها صحيحا ويثقون بها ويطمئنون إليها ويخضعون لها ، وما فيها صحيح إلا قليلا . وأي كتب تبتلى هذا البلاء كتب العلم ، كتب الحديث ، كتب التفسير ، كتب الفقه ، كتب الكلام . وجل ما يطبع بأيدي هؤلاء سبيلها كسبيل الوجادة في عدم الاعتبار ولا يعتمد عليها إلا المغفلون . ومجال الكلام فيها فسيح ولا يمكنني أن أبسط القول فيها في هذه العجالة وليس المقام مقام التفصيل فلنضرب عنها صفحا ، وقصارى الكلام أن الكتب المذهبية أمرها خطير فادح عبؤه ، تحتاج إلى جهد وافر واستعداد واسع النطاق ولا يوفي بهذا . الغرض إلا الماهرون بطرق المعارف الدينية ، فيجب أن تقوم بمهمتها رجال العلم ، رجال الدين ، العارفون باللغة ، الخبراء بفن التصحيح ، الذين لهم عناية تامة بصحة الكتب ومقابلتها وعرضها على أصولها . وهذا هو المعمول في العالم في جميع الملل والنحل ، حيث لا يفوضون أمر الكتب المذهبية إلى الكتبيين حتى يجعلونها مطية أهوائهم يتجرون بطبعها ويكتنزون كنوزا بنشرها ، والناشرون المعتنون بصحة