الشيخ الصدوق
مقدمة المصحح 11
كمال الدين وتمام النعمة
إليه وفي بغداد مع غير واحد من المنكرين ، لكاد أن ينفصم حبل الامامية والاعتقاد بالحجة ، ويمحى أثرهم ويؤول أمرهم إلى التلاشي والخفوت والاضمحلال والسقوط ويفضي إلى الدمار والبوار . وهذه كتب الحديث والتاريخ تقص علينا ضخامة الأعمال التي نهض بأعبائها هذا المجاهد المناضل وزمرة كبيرة من رجال العلم ، وقيام هؤلاء في تدعيم الحق وتنوير الأفكار ، ودرء شبهات المخالفين وسفاسفهم الممقوتة ، ونجاة الفرقة المحقة عن خطر الزوال ومتعسة السقوط ، فجزاهم الله عن الاسلام خير جزاء العلماء المجاهدين . تآليفه القيمة ألف - قدس سره - كتبا شتى في جميع فنون الاسلام وما يحتاج إليه الأمة المسلمة ، ولا يغادر شيئا . كلها بنسق بديع وسلك منضد ( 1 ) ، تبلغ عددها - على ما ذكره الشيخ الطوسي رحمه الله - ثلاثمائة . غير أن جلها ضاعت واندرست أو دثرت وانطمست تحت أطباق البلى أو تركت في زوايا المكتبات الدارسة المطمورة نسجت عليها عناكب النسيان ، فمحيت وما كان يلوح إلا رسمها . وبادت فلا يبقى منها إلا اسمها . نعم : بقي بعضها إلى القرون الأواخر لكن فقد كأنه صعد به إلى السماء أو اختطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ، وما يبقى بأيدينا من هذه الثروة الضخمة إلا نزر يسير لم يبلغ عددها عشرين . وهذه البقية أيضا غار نجمها في ستار سخافة الطبع من كثرة الأغلاط والسقطات والتحريفات ونشرت على صورة مشوهة لا يرضى عنها العلم ولا العلماء ، لأنه طبع أكثرها بأيدي الذين لم يعرفوا قيمة العلم ولا قيمة الكتاب ولا خبرة لهم بالفن . فأمست كتب هذا المؤلف الفذ تراثا نهبا ، وعلما ضايعا ، بعد ما أصبحت علما ناجعا وبرهانا ساطعا ، ونورا وهدى وضياء ، ومفخرا للأمة ، وشاهدا على تقدمها
--> ( 1 ) بالقياس على الموجودة منها .