ابن خلدون

434

تاريخ ابن خلدون

على السلطان يوما مشهودا واذن بعدها لوفود الزواودة في الانصراف إلى بلادهم وقد كان ينتظر بهم قدوم الوزير ووليه وترمار بن عريف فودعوه وبالغ في الاحسان وانصرفوا إلى بلادهم ثم أعمل نظره في اخراج أبى زيان من بين أحياء الزواودة لما خشي من رجوعه إلى حصين فأمرني في ذلك وأطلقني إليهم في محاولة انصرافه عنهم فانطلقت لذلك وكان أحياء حصين قد توجسوا الخيفة من السلطان وتنكروا له وانصرفوا إلى أهليهم بعد مرجعهم من غزاتهم مع الوزير وبادروا باستدعاء أبى زيان من مكانه عند أولاد يحيى بن علي وأنزلوه بينهم واشتملوا عليه وعادوا إلى الخلاف الذي كانوا عليه أيام أبى حمو واشتعل المغرب الأوسط نارا ونجم صبي من بيت الملك في مغراوة وهو حمزة بن علي بن راشد فر من معسكر الوزير ابن غازي أيام مقامه عليها فاستولى على شلف وبلاد قومه وبعث السلطان وزيره عمر بن مسعود في العساكر لمنازلته وأعيا داؤه وانقطعت أنا ببسكرة وحال ذلك ما بيني وبين السلطان الا بالكتاب والرسالة وبلغني في تلك الأيام وأنا ببسكرة مفر الوزير ابن الخطيب من الأندلس حين توجس الخيفة من سلطانه بما كان له من الاستبداد عليه وكثرة السعاية من البطانة فيه فأعمل الرحلة إلى الثغور الغربية لمطالعتها باذن سلطانه فلما حاذى جبل الفتح قبل الفرضة دخل إلى الجبل وبيده عهد السلطان عبد العزيز إلى القائد بقبوله وأجاز البحر من حينه إلى سبتة وسار إلى السلطان بتلمسان وقدم عليه بها في يوم مشهود وتلقاه السلطان من الحظوة والتقريب وادرار النعم بما لا يعهد بمثله وكتب إلى من تلمسان يعرفني بخبره ويلم ببعض العتاب على ما بلغه من حديثي الأول بالأندلس ولم يحضرني الآن كتابه فكان جوابي عنه ما نصه الحمد لله ولا قوة الا بالله ولا راد لما قضى الله يا سيدي ونعم الذخر الأبدي والعروة الوثقى التي أعلقتها يدي أسلم عليك سلام القدوم على المخدوم والخضوع للملك المتبوع لابل أحييكم تحية المشوق للمعشوق والمدلج للصباح المتبلج وأقرر ما أنتم أعلم بصحيح عقدي فيه من حبي لكم ومعرفتي بمقداركم وذهابي إلى أبعد الغايات في تعظيمكم والثناء عليكم والإشادة في الآفاق بمناقبكم ديدنا معروفا وسجية راسخة يعلم الله وكفى بالله شهيدا وهذا كما في علمكم أسنى ما اختلف أولا ولا آخرا ولا شاهدا ولا غائبا وأنتم أعلم بما تعنى نفسي وأكبر شهادة في خفايا ضميري ولو كنت ذلك فقد سلف من حقوقكم وجميل أخذكم واجتلاب الحظ لو هيأه القدر لمساعيكم وايثاري بالمكان من سلطانكم ودولتكم ما يستلين معاطف القلوب ويستل سخائم الهواجس فأنا أحاشيكم من استشعار نبوة أو اخفار وطن ولو تعلق معلق ساق حرزرزور فحاش لله أن يقدح في الخلوص لكم أو يرحج سوائبكم انما هي خبية