ابن خلدون
430
تاريخ ابن خلدون
الماء الربى واستولى على سوء المزاج المنحرف وتوالت الأمراض وأعوز الشفاء لبقاء السبب والعجز عن دفعه وهي هذه المداخلة جعل الله عاقبتها إلى خير ولم أترك وجها من وجوه الحيلة الا بذلته فما أغنى عنى شيئا ولولا أنى بعدكم شغلت الفكر بهذا التأليف مع الزهد وبعد العهد وعدم الالماع بمطالعة الكتب لم تتمش من طريق فساد الفكر إلى هذا الحد وآخر ما صدر عنى كناش سميته باستنزال اللطف الموجود في أسر الوجود أمليته في هذه الأيام التي أقيم فيها رسم النيابة عن السلطان في سفره إلى الجهاد بودى لو وقفتهم عليه وعلى كتابي في المحبة وعسى الله أن ييسر ذلك ومع هذا كله والله ما قصرت في الحرص على ايصال مكتوب إليكم اما من جهة أخيكم أو من جهة السيد الشريف أبى عبد الله حتى من المغرب إذا سمعت الركب متوجها منه فلا أدرى هل بلغكم شئ من ذلك أم لا والأحوال كلها على ما تركتموها عليه وأحبابكم بخير على ما علمتم من الشوق والتشوف والارتماض على مفارقتكم ولا حول ولا قوة الا بالله والله يحفظكم ويتولى أموركم والسلام علكيم ورحمة الله من المحب الواحش ابن الخطيب في ربيع الثاني من عام احدى وسبعين وسبعمائة وبباطنه مدرجة نصها سيدي رضى الله عنكم استقر بتلمسان في سبيل تقلب ومسارعة مزاج تعرفونه صاحبنا المقدم في الطب أبو عبد الله الشقوري فإذا اتصل بكم فأعينوه على ما يقف عليه اختياره وهذا لا يحتاج معه إلى مثلكم عنوانه سيدي ومحل أخي الفقيه الجليل الصدر الكبير المعظم الرئيس الحاجب العالم الفاضل الوزير ابن خلدون وصل الله سعده وحرس مجده بمنه وانما طولت بذكر هذه المخاطبات وان كانت فيما يظهر خارجة عن غرض الكتاب لان فيها كثيرا من أخباري وشرح حالي فيستوفى ذلك منها ما يتشوف إليه من المطالعين للكتاب ثم إن السلطان أبا حمو لم يزل معتملا في الاجلاب على بجاية واستئلاف قبائل رياح لذلك ومعولا على مشايعتي فيه ووصل يده مع ذلك بالسلطان أبى اسحق ابن السلطان أبى بكر صاحب تونس من بنى أبى حفص لما كان بينه وبين أخيه صاحب بجاية وقسنطينة من العداوة التي تقتضيها مقاسمة النسب والملك فكان يوفد رسله عليه في كل وقت ويمرون بي وأنا ببسكرة فأكد الوصلة بمخاطبة كل منهما وكان أبو زيان ابن عم السلطان أبى حمو بعد اجفاله عن بجاية واختلال معسكره قد سار في أثره إلى تلمسان وأجلب على نواحيها فلم يظفر بشئ وعاد إلى حصين فأقام بينهم واشتملوا عليه ونجم النفاق في سائر أعمال المغرب الأوسط ولم يزل يستألفهم حتى اجتمع له الكثير منهم فخرج في عساكره منتصف تسع وستين إلى حصين وأبى زيان واعتصموا بجبل تيطرى وبعث إلى في استنفار الزواودة للاخذ بحجزتهم من جهة الصحراء وكتب يستدعى