ابن خلدون
400
تاريخ ابن خلدون
عبد المؤمن من شيوخ بنى ونكاسن من بنى مرين فملكوه قيادهم وبعثوا إلى السلطان بطاعتهم فأخرج لوقته حاجبه محمد بن أبي عمرو واكتنف له الجند وصرف معه وجوه دولته وأعيان بطانته وارتحلت من بسكرة وافدا على السلطان أبى عنان بتلمسان فلقيت أبن أبى عمرو بالبطحاء وتلقاني من الكرامة بما لم أحتسبه وردني معه إلى بجاية فشهدت الفتح وتسايلت وفود إفريقية إليه فلما رجع إلى السلطان وفدت معهم فنالني من كرامته واحسانه ما لم أحتسبه إذ كنت شابا لم يطر شاربي ثم انصرفت مع الوفود ورجع ابن أبي عمرو إلى بجاية فأقمت عنده حتى انصرم الشتاء أواخر أربع وخمسين وعاد السلطان أبو عنان إلى فاس وجمع أهل العم للتحليق بمجلسه وجرى ذكرى عنده وهو ينتقى طلبه العلم للمذاكرة في ذلك المجلس فأخبره الذين لقيتهم بتونس عنى ووصفوني له فكتب إلى الحاجب يستقدمني فقدمت عليه سنة خمس وخمسين ونظمني في أهل مجلسه العلمي والزمنى شهود الصلوات معه ثم استعملني في كتابته والتوقيع بين يديه على كره منى إذا كانت لم أعهد مثله لسلفي وعكفت على النظر والقراءة ولقاء المشيخة من أهل المغرب ومن أهل الأندلس الوافدين في عرض السفارة وحصلت من الإفادة منهم على البغية وكان في جملته يومئذ الأستاذ أبو عبد الله محمد بن الصفار من أهل مراكش امام القرآن لوقته أخذ عن مشيخة المغرب وكبيرهم شيخ المحدثين الرحالة أبو عبد الله محمد بن رشيد الفهري سيد أهل المغرب وكان يعارض السلطان القرآن برواياته السبع إلى أن توفى ( ومنهم ) قاضي الجماعة بفاس أبو عبد الله محمد المغربي صاحبنا من أهل تلمسان أخذ العلم بها عن أبي عبد الله محمد السلوى ورد عليها من المغرب خلوا من المعارف ثم دعته همته إلى التحلي بالعلم فعكف في بيته على مدارسة القرآن فحفظه وقرأه بالسبع ثم عكف على كتاب التسهيل في العربية فحفظه ثم على مختصر ابن الحاجب في الفقه والأصول فحفظهما ثم لزم الفقيه عمران المشد إلى من تلميذ أبى ناصر الدين وتفقه عليه وبرز في العلوم إلى حيث لم تلحق غايته وبنى السلطان أبو تاشفين مدرسة بتلمسان فقدمه للتدريس بها يضاهى به أولاد الامام وتفقه عليه بتلمسان جماعة كان من أوفرهم سهما في العلوم أبو عبد الله المغربي هذا ولما جاء شيخنا أبو عبد الله الأيلي إلى تلمسان عند استيلاء السلطان أبى الحسن عليها وكان أبو عبد الله السلوى قد قتل يوم فتح تلمسان قتله بعض أشياع السلطان لذنب أسلفه في خدمة أخيه أبى على بسجلماسة قبل انتحاله العلم كان السلطان توعده عليه فقتل بباب المدرسة فلزم أبو عبد الله المغربي بعده مجلس شيخنا الأيلي ومجالس بنى الامام واستبحر في العلم ولما انتقض السلطان أبو عنان سنة تسع وأربعين وخلع أباه ندبه