ابن خلدون

398

تاريخ ابن خلدون

كان يكاتبه وهو بجبل الصفيحة ويداخل زعماء قومه في الاخذ بدعوته فلما ملك السلطان أبو سالم رعى له تلك الوسائل أجمع ورفعه على الناس وألقى عليه محبته وجعل زمام الأمور بيده فوطئ الناس عقبه وغشى أشراف الدولة بابه وصرفت الوجوه إليه فمرضت لذلك قلوب أهل الدولة ونقموه على السلطان وتربصوا به حتى وثب عبد الله بن عمر بالبلد الجديد وافترق الناس على السلطان وقتله عمر بن عبد الله آخر ثنتين وستين وحبس ابن مرزوق وأغرى به سلطانه الذي نصبه محمد بن أبي عبد الرحمن بن أبي الحسن فامتحنه واستصفاه ثم أطلقه بعد أن رام كثير من أهل الدولة قتله فمنعه منهم ولحق بتونس سنة أربع وستين ونزل على السلطان أبى اسحق وصاحب دولته المستبد عليه أبى محمد بن تافراكين فأكرموا نزله وولوه الخطابة بجامع الموحدين بتونس وأقام بها إلى أن هلك السلطان أبو إسحاق سنة سبعين وولى ابنه خالد وزحف السلطان أبو العباس حافد السلطان أبى يحيى من مقره بقسنطينة إلى تونس فملكها وقتل خالدا سنة ثنتين وسبعين وكان ابن مرزوق يستريب منه لما كان يميل وهو بفاس مع ابن عمه محمد صاحب بجاية ويؤثره عند السلطان أبى سالم عليه فعزله السلطان أبو العباس عن الخطبة بتونس فوجم لها وأجمع الرحلة إلى المشرق وسرحه السلطان فركب السفن ونزل بالإسكندرية ثم رحل إلى القاهرة ولقى أهل العلم وأمراء الدولة ونفقت بضائعه عندهم وأوصلوه إلى السلطان وهو يومئذ الأشرف فكان يحضر يومئذ مجلسه وولاه الوظائف العلمية فكان ينتجع منها معاشه وكان الذي وصل حبله بالسلطان أستاذ داره محمد لقيه أول قدومه فحلا بعينه واستظرف جملته فسعى له وأنجح سعايته ولم يزل مقيما بالقاهرة موقر الرتبة معروف الفضيلة مرشحا لقضاء المالكية ملازما للتدريس في وظائفه إلى أن هلك سنة احدى وثمانين هكذا ذكر من حضره من جملة السلطان أبى الحسن من أشياخنا وأصحابنا وليس موضوع الكتاب الإطالة فلنقتصر على هذا القدر ونرجع إلى ما كنا فيه من أخبار المؤلف { ولاية العلامة بتونس ثم الرحلة بعدها إلى المغرب والكتابة على السلطان أبى عنان } ولم أزل منذ نشأت وناهزت مكبا على تحصيل العلم حريصا على اقتناء الفضائل متنقلا بين دروس العلم وحلقاته إلى أن كان الطاعون الجارف وذهب الأعيان والصدور وجميع المشيخة وهلك أبواي رحمهما الله ولزمت مجلس شيخنا أبى عبد الله الأيلي وعكفت على القراءة عليه ثلاث سنين إلى أن بعض الشئ واستدعاه السلطان أبو عنان فارتحل إليه واستدعاني أبو محمد بن تافراكين المستبد على الدولة يومئذ بتونس إلى كتابة