ابن خلدون
392
تاريخ ابن خلدون
وكتب له أهل المغرب والأندلس واستكتبه رئيس الأندلس يومئذ الوزير أبو عبد الله ابن الحكيم الرندي المستبد على السلطان المخلوع ابن الأحمر فكتب عنه ونظمه في طبقة الفضلاء الذين كانوا بمجلسه مثل المحدث أبى عبد الله بن سيد الفهري وأبى العباس أحمد العزفي والعالم الصوفي المتجرد أبى عبد الله محمد بن خميس التلمساني وكانا لا يجاريان في البلاغة والشعر إلى غير هؤلاء ممن كان مختصا به وقد ذكرهم ابن الخطيب في تاريخ غرناطة فلما نكب الوزير ابن الحكيم وعادت سبتة إلى طاعة بنى مرين عاد عبد المهيمن إليها واستقر بها ثم ولى الامر أبو سعيد وغلب عليه ابنه أبو علي واستبد بحمل الدولة تشوف إلى استدعاء الفضلاء وتجمل بمكانهم فاستقدم عبد المهيمن من سبتة واستكتبه سنة ثنتي عشرة ثم خالف على أبيه سنة أربع عشرة وامتنع بالبلد الجديد وخرج منها إلى سجلماسة لصلح عقده مع أبيه فتمسك السلطان أبو سعيد بعبد المهيمن واتخذه كاتبا إلى أن دفعه إلى رياسة الكتاب ورسم علامته في الرسائل والأوامر فتقدم لذلك سنة ثمان عشرة ولم يزل عليها سائر أيام السلطان أبو سعيد وابنه أبى الحسن وسار مع أبي الحسن إلى إفريقية وتخلف عن واقعة القيروان لما كان به من علة النقرس فلما كانت الهيعة بتونس ووصل خبر الواقعة وتحيز أولياء السلطان إلى القصبة مع حرمه تسرب عبد المهيمن في المدينة منتبذا عنهم وتوارى في بيتنا خشية أن يصاب معهم بمكروه فلما انجلت تلك الغيابة ورجع السلطان من القيروان إلى سوسة وركب منها البحر إلى تونس أعرض عن عبد المهيمن لما سخط غيبته عن قومه بالقصبة وجعل العلامة لأبي الفضل ابن الرئيس عبد الله بن أبي مدين وقد كانت من قبل مقصورة على هذا البيت وأقام عبد المهيمن عطلا من العمل شهرا ثم اعتبر السلطان ورضى عنه ورد إليه العلامة كما كان ثم توفى لأيام قلائل بتونس بالطاعون الجارف سنة تسع وأربعين ومولده سنة خمس وسبعين من المائة قبلها وقد استوعب ابن الخطيب التعريف به في تاريخ غرناطة فليطالع هناك من أحب الوقوف عليه ( وأما ابن رضوان ) الذي ذكره الرحوي في قصيدته فهو أبو القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان البخاري أصله من الأندلس نشأ بمالقة وأخذ عن مشيختها وحذق في العربية والأدب وتفنن في العلوم ونظم ونثر وكان مجيدا في الترسيل ومحسنا في كتابة الوثائق وارتحل بعد واقعة طريف ونزل سبتة ولقى بها السلطان أبا الحسن ومدحه وأجازه واختص بالقاضي إبراهيم بن يحيى وهو يومئذ قاضي العساكر وخطيب السلطان وكان يستتيبه في القضاء والخطابة ثم نظمه في جملة الكتاب بباب السلطان واختص بخدمة عبد المهيمن رئيس الكتاب والاخذ عنه إلى أن رحل السلطان إلى إفريقية وكانت واقعة القيروان وانحصر