ابن خلدون
386
تاريخ ابن خلدون
إلى المغرب لان سلطانها أبا حمو يومئذ من ولد يغمراسن بن زيان كان يكرهه على التصرف في أعماله وضبط الجباية بحسبانه ففر إلى المغرب ولحق بمراكش ولازم العالم الشهير الذكر أبا العباس بن البناء فحصل عنه سائر العلوم العقلية وورث مقامه فيها ثم صعد إلى جبل الهساكرة بعد وفاة الشيخ باستدعاء علي بن محمد بن تروميت ليقرأ عليه فأفاده وبعد أعوام استنزله ملك المغرب السلطان أبو سعيد وأسكنه بالبلد الجديد معه ثم اختصه السلطان أبو الحسن ونظمه في جملة العلماء بمجلسه وهو في خلال ذلك يعلم العلوم العقلية ويبثها بين أهل المغرب حتى حذق فيها الكثير منهم من سائر أمصاره وألحق الأصاغر بالأكابر في تعليمه ولما قدم على تونس في جملة السلطان أبى الحسن لزمته وأخذت عنه العلوم العقلية والمنطق وسائر الفنون الحكمية والتعليمية وكان رحمه الله تعالى يشهد لي بالتبريز في ذلك وممن قدم في جملة السلطان أبى الحسن صاحبنا أبو القاسم عبد الله بن يوسف بن رضوان المالقي كان يكتب عن السلطان ويلازم خدمة أبى محمد عبد الله رئيس الكتاب يومئذ وصاحب العلامة التي توضع عن السلطان أسفل المراسم والمخاطبات وبعضها يضعه السلطان بخطه وكان ابن رضوان هذا من مفاخر المغرب في براعة خطه وكثرة علمه وحسن سمته واجادته في فقه الوثائق والبلاغة في الترسيل عن السلطان وحوك الشعر والخطابة على المنابر لأنه كان كثيرا ما يصلى بالسلطان فلما قدم علينا بتونس صحبته واغتبطت به وإن لم أتخذه شيخا لمقاربة السن فقد أفدت منه كما أفدت منهم وقد مدحه صاحبنا أبو القاسم الرحوي شاعر تونس في قصيدة على روى النون يرغب منه أن يذكره لشيخه أبى محمد عبد المهيمن في ايصال مدحه للسلطان أبى الحسن في قصيدة على روى الياء وقد تقدم ذكرها في أخبار السلطان وذكر في مدح ابن رضوان أعلام العلماء القادمين مع السلطان وهي هذه عرفت زماني حين أنكرت عرفاني * وأيقنت أن لاحظ في كف كيوان وأن لا اختيار في اختيار مقوم * وان لا قراع بالقران لأقران وان نظام الشكل أكمل نظمه * لاضعاف قاض في الدليل برجحان وأن افتقار المرء من فقراته * ومن نقله يغنى اللبيب بأوزان إلى آخرها ثم يقول في ذكر العلماء القادمين هم القوم كل القوم أما حلومهم * فأرسخ من طودي ثبير ونهلان فلا طيش يعلوهم وأما علومهم * فأعلامها تهديك من غير نيران ثم يقول في آخرها