ابن خلدون
383
تاريخ ابن خلدون
نعمته وفرض له الارزاق وأقطع الاقطاع وهلك هنالك فدفن ببونة سنة سبع وأربعين وولى ابنه المستنصر محمد فأجرى جدنا أبا بكر على ما كان لأبيه ثم ضرب الدهر ضرباته وهلك المستنصر سنة خمس وسبعين وولى ابنه يحيى وجاء أخوه الأمير أبو إسحاق من الأندلس بعد أن كان فر إليها امام أخيه المستنصر فخلع يحيى واستقل هو بملك إفريقية ودفع جدنا أبا بكر محمدا على عمل الاشغال في الدولة على سنن عظماء الدولة الموحدين فيها قبله من الانفراد بولاية العمال وعزلهم وحسبانهم على الجباية فاضطلع بتلك الرتبة ثم عقد السلطان أبو إسحاق لابنه محمد وهو جدنا الأقرب على حجابة ولى عهده ابنه أبى فارس أيام أن أقصاه إلى بجاية ثم استعفى جدنا من ذلك فأعفاه ورجع إلى الحضرة ولما غلب الدعي بن أبي عمارة على ملكهم بتونس اعتقل جدنا أبا بكر محمدا وصادره على الأموال ثم قتله خنقا في محبسه وذهب ابنه محمد جدنا الأقرب مع السلطان أبى اسحق وأبنائه إلى بجاية فتقبض عليه ابنه أبو فارس وخرج مع العساكر هو واخوته لمدافعة الدعي بن أبي عمارة وهو يشبه بالفضل بن المخلوع حتى إذا استلحموا بمرماجنة خلص جدنا محمد مع أبي حفص ابن الأمير أبى زكريا من الملحمة ومعهما الفازازي وأبو الحسن ابن سيد الناس فاستنكف من ايثار الفازازي ولما استولى أبو حفص على الأمور رعى له سابقته وأقطعه ونظمه في جملة القواد ومراتب الحروب واستكفى به في الكثير من أمر ملكه ورشحه لحجابته من بعد الفازازي وهلك فكان من بعده حافد أخيه المستنصر أبو عصيدة واصطفى لحجابته محمد بن إبراهيم الدباع كاتب الفازازي وجعل محمد بن خلدون رديفا له في حجابته فكان كذلك إلى أن هلك السلطان وجاءت دولة الأمير خالد فأبقاه على حاله من التجلة والكرامة ولم يستعمله ولا عقد له إلى أن كانت دولة أبى يحيى ابن اللحياني فاصطنعه واستكفى به عندما تنبضت عروق التغلب من العرب ودفعه إلى حماية الجزيزة من لاج احدى بطون سليم الموطنين بنواحيها فكانت له في ذلك آثار مذكورة ولما انقرضت دولة ابن اللحياني خرج إلى الشرق وقضى فرضه سنة ثمان عشرة وأظهر التوبة والاقلاع وعاود الحج متنفلا سنة ثلاث وعشرين ولزم كسر بيته وأبقى السلطان أبو يحيى عليه نعمته في كثير مما كان بيده من الاقطاع والجراية ودعاه إلى حجابته مرارا فامتنع ( أخبرني ) محمد بن منصور بن مري قال لما هلك الحاجب بن محمد ابن عبد العزيز الكردي المعروف بالمزوار سنة سبع وعشرين وسبعمائة استدعى السلطان جدك محمد بن خلدون وأراده على الحجابة وأن يفوض إليه أمره فأبى واستعفى فأعفاه وآمره فيمن يوليه حجابته فأشار عليه بصاحب ثغر بجاية محمد بن أبي الحسن بن سيد الناس لاستحقاقه ذلك بكافيته واضطلاعه ولقديم صحابة بين سلفهما بتونس