ابن خلدون

335

تاريخ ابن خلدون

الخطيب بالحل والعقد وانصرفت إليه الوجوه وعلقت عليه الآمال وغشى بابه الخاصة والكافة وغصت به بطانة السلطان وحاشيته فتوافقوا على السعاية فيه وقد صم السلطان عن قبولها ونما الخبر بذلك إلى ابن الخطيب فشمر عن ساعده في التقويض عنهم واستخدم للسلطان عبد العزيز بن السلطان أبى الحسن ملك العدوة يومئذ في التقبض على ابن عمه عبد الرحمن بن أبي يفلوس بن السلطان أبى على كانوا قد نصبوه شيخا على الغزاة في الأندلس لما أجاز من العدوة بعد ما جاس خلالها لطلب الملك وأضرم بها نار الفتنة في كل ناحية وأحسن دفاعه الوزير عمر بن عبد الله القائم حينئذ بدولة بنى مرين فاضطر إلى الإجازة إلى الأندلس فأجاز هو ووزيره مسعود بن ماسى ونزلوا على السلطان على المخلوع أعوام سبع وستين فأكرم نزلهم وتوفى علي بن بدر الدين شيخ الغزاة فقدم عبد الرحمن مكانه وكان السلطان عبد العزيز قد استبد بملكه بعد قتله الوزير عمر بن عبد الله فغص بما فعله السلطان المخلوع من ذلك وتوقع انتقاض أمره منهم ووقف على مخاطبات ابن عبد الرحمن يسر بها بنى مرين وأغرى ابن الخطيب سلطانه بالقبض على ابن أبي يفلوس وابن ماسى فتقبض عليها وفى خلال ذلك استحكمت نفرة ابن الخطيب لما بلغه عن البطانة من القدح فيه والسعاية وربما خيل أن السلطان مال إلى قبولها وانهم قد أحفظوه عليه فأجمع النحول عن الأندلس إلى المغرب واستأذن السلطان في تفقد الثغور الغربية وسار إليها في لمة من فرسانه ومعه ابنه على الذي كان خالصة السلطان وذهب لطيته فلما حاذى جبل الفتح فرضة المجاز إلى العدوة مال إليه إذ ند بين يديه فخرج قائد الخيل لتلقيه وقد كان السلطان عبد العزيز قد أو عز إليه بذلك وجهز إليه الأسطول من حينه فأجاز إلى سبتة وتلقاه بها بأنواع التكرمة وامتثال الأوامر ثم سار لقصد السلطان فقدم عليه سنة ثلاث وسبعين بمقامته من تلمسان فاهتزت له الدولة وأركب السلطان خاصته لتلقيه وأحله بمجلسه بمحل الامن والغبطة ومن دولته بمكان الشرف والعزة وأخرج لوقته كاتبه أبا يحيى بن أبي مدين سفيرا إلى الأندلس في طلب أهله وولده فجاء بهم على أكمل الحالات من الامن والتكرمة ثم لغط المنافسون له في شأنه وأغروا سلطانه بتتبع عثراته وأبدوا ما كان كامنا في نفسه من سقطات دابته واحصاء عصابته وشاع على ألسنة أعدائه كلمات منسوبة إلى الزندقة أحصوها عليه ونسبوها إليه ورفعت إلى قاضي الحضرة الحسن بن الحسن فاسترعاها وسجل عليه بالزندقة وراجع صاحب الأندلس رأيه فيه وبعث القاضي أبو الحسن إلى السلطان عبد العزيز في الانتقام منه بتلك السجلات وامضاء حكم الله فيه فصم لذلك وأنف لذمته أن تخفر ولجواره أن يردى وقال لهم هلا انتقمتم وهو عندكم وأنتم عالمون بما كان عليه