ابن خلدون
287
تاريخ ابن خلدون
وامتحنه ثم قطع لسانه وهلك في ذلك الامتحان وارتحل الأمير أبو عنان وجموع بنى مرين إلى مراكش وبرز السلطان إلى لقائهم ومدافعتهم وانتهى كل واحد من الفريقين إلى وادى أم ربيع وتربص كل بصاحبه إجازة الوادي ثم اجازه السلطان أبو الحسن وأصبحوا جميعا في التعبية والتقى الجمعان بثامر غوست في آخر صفر من سنة احدى وخمسين فاختل مصاف السلطان وانهزم عسكره ولحق به أبطال بنى مرين فرجعوا عنه حياء وهيبة وكبا به فرسه يومئذ في مفره فسقط إلى الأرض والفرسان تحوم حوله واعترضهم دونه أبو دينار سليمان بن علي بن أحمد أمير الزواودة ورديف أخيه يعقوب كان هاجر مع السلطان من الجزائر ولم يزل في جملته إلى يومئذ فدافع عنه حتى ركب وسار من ورائه رد أله وتقبض على حاجبه علال بن محمد فصار في يد الأمير أبى عنان وأودعه السجن إلى أن امتن عليه بعد مهلك أبيه وخلص السلطان إلى جبل هنتاتة ومعه كبيرهم عبد العزيز بن محمد بن علي فنزل عليه وأجاره واجتمع إليه الملا من قومه هنتاتة ومن انضاف إليهم من المصامدة وتأمروا وتعاهدوا على الدفاع عنه وبايعوه على الموت وجاء أبو عنان على اثره حتى احتل بمراكش وأنزل عساكره على جبل هنتاتة ورتب المسالح لحصاره وحربه وطال عليه ثواؤه وطلب السلطان من ابنه الابقاء وبعث في حاجبه محمد بن أبي عمر فحضر عنده وأحسن العذر عن الأمير أبى عنان والتمس له الرضا منه فرضى عنه وكتب له بولاية عهده وأو عز إليه بأن يبعث له مالا وكسا فسرح الحاجب بن أبي عمر باخراجها من المودع بدار ملكهم واعتل السلطان خلال ذلك فمرضه أولياؤه وخاصته وافتصد لاخراج الدم ثم باشر الماء لفصده للطهارة فورم وهلك لليال قريبة عفا الله عنه لثلاث وعشرين مع ربيع الثاني سنة ثنتين وخمسين وبعث أولياؤه الخبر إلى ابنه بمعسكره من ساحة مراكش ورفعوه على أعواده إليه فتلقاه حافيا حاسرا وقبل أعواده وبكى واسترجع ورضى عن أوليائه وخاصته وأنزلهم بالمحل الذي رضوه من دولته ووارى أباه بمراكش إلى أن نقله إلى مقبرة سلفهم بشالة في طريقه إلى فاس وتلقى أبا دينار بن علي بن أحمد بالقبول والكرامة وأحله محل الرحب والسعة وأسنى جائزته وخلع عليه وحمله وانصرف من فاس إلى قومه يستحثهم للقاء السلطان أبى عنان بتلمسان لما كان أجمع على الحركة إليه بعد مهلك أبيه ورعى لعبد العزيز بن محمد أمير هنتاتة اجارته للسلطان واستماتته دونه فعقد له على قومه وأحله بالمحل الرفيع من دولته ومجلسه واستبلغ في تكريمه والله تعالى أعلم { الخبر عن حركة السلطان أبى عنان إلى تلمسان وايقاعه ببني عبد الواد بأنكاد ومهلك سلطانهم سعيد }