ابن خلدون
232
تاريخ ابن خلدون
العلامة السلطانية على الكتاب في الدولة لم تختص بكاتب واحد بل كل منهم يضع العلامة بخطه على كتابه إذا أكمله لما كانوا كلهم ثقاتا امناء وكانوا عند السلطان كأسنان المشط فكتب أحمد بن الملياني إلى ابن السلطان الأمير بمراكش سنة سبع وتسعين كتابا عن أمر أبيه يأمره فيه بقتل مشيخة المصامدة ولا يمهلهم طرفة عين ووضع عليها العلامة التي تنفذ بها الأوامر وختم الكتاب وبعث به مع البريد ونجا بنفسه إلى البلد الجديد وعجب الناس بشأنه ولما وصل الكتاب إلى ابن السلطان بمراكش أخرج أولئك الرهط المعتقلين من المصامدة إلى مصارعهم وقتل علي بن محمد وولده وعبد الكريم بن عيسى وولده عيسى وعلى ومنصور وابن أخيه عبد العزيز وطير الأمير وزيره إلى أبيه بالخبر فقتله لحينه حنقا عليه وأنفذ البريد باعتقال ابنه وجرد على ابن الملياني ففقد ولحق بتلمسان ونزل على آل زيان ثم لحق من بعدها بالأندلس عند افراج السلطان عنها في تلك السنة كما ذكرناه وبها هلك واقتصر السلطان من يومئذ في علامته على من يختاره من صنائعه ويثق بأمانته وجعلها لذلك العهد لعبد الله بن أبي مدين خالصته المضطلع بأمر مملكته فاختصت من بعده لهذا العهد والله تعالى أعلم ؟ ؟ كان السلطان يعقوب في صباه مؤثرا للذاته ومستترا بها عن أبيه يعقوب بن عبد الحق لمكانه من الدين والوقار وكان يشرب الخمر ويعاقر بها الندمان وكان خليفة بن وقاصة من اليهود المعاهدين بفاس قهرمانا لداره على عادة الأمراء في مثله من المعاهدين فكان يزدلف إليه بوجوه الخدم ومذاهبها فاستعمله هذا الأمير في اعتصارها والقيام على شؤنها فكانت له بذلك خلوة منه أوجبت له الحظ عنده حتى إذا هلك يعقوب بن عبد الحق واستقل ابنه يوسف بأعباء ملكه واتصلت خلواته في معاقرة الندمان وانفرد ابن وقاصة بخلوته لذلك مع ما كان من القهرمة عظمت رياسته وعلا كعبه في الدولة وتلقى الخاصة الأوامر منه فصار له الوجه بينهم وعظم قدره بعظم الدولة ( أخبرني ) شيخي الأبلي قال وكان للخليفة هذا أخ يسمى إبراهيم وابن عم يسمى خليفة لقبوه بالصغير لمكانه هو من هذا الاسم وكان له صهر يعرفون ببني السبتي كبيرهم موسى وكان رديفه في قهرمته فلم يفق السلطان من نشوة صباه وملهاه حتى وجدهم على حال استتبعوا فيها الغيلة من القبيل والوزراء والشرفاء والعلماء فأهمه ذلك وترصد بهم وتفطن بمذهبه فيهم خالصته عبد الله بن أبي مدين فسعى عنده فيهم وأوجده السبيل عليهم فسطا بهم سطوة واحدة واعتقلوا في شعبان من سنة احدى وسبعمائة بمعسكره من حصار تلمسان وقتل خليفة الكبير وأخوه إبراهيم وموسى بن السبتي واخوته بعد أن امتحنوا ومثل