ابن خلدون

229

تاريخ ابن خلدون

من دون دفع إليه فاستقام أمرهما مدة وكان من سياستهما من أول أمرهما الاخذ بدعوة السلطان فيما لنظرهما والعمل بطاعته والتجافي عن السكنى بقصور الملك والتحرج من أبهة السلطان امكانهم فأنزلوا بالقصبة عبد الله بن مخلص قائدا من البيوتات اصطنعوه وجعلوا إليه أحكام البلد وضبط الحامية له فاضطلع بذلك سنين ثم أسفه يحيى بن أبي طالب ببعض النزغات الرياسية وحجر عليه الاحكام في ذويه ثم أغرى به أباه وطالبه بحساب الخرج لعطاء الحامية وغفلوا عما وراءها من التظنن فيه والريبة به ثقة بمكانه واستنامة إليه وهم مع ذلك على أولهم في موالاة السلطان والاخذ بدعوته والوفود عليه في أوقاته ولما فسدت ولاية ابن الأحمر للسلطان وعقد على محاولة سبتة وجد السبيل إلى ذلك بما طوى صاحب الاحكام بالقصبة على البث فداخله الرئيس أبو سعيد صاحب الثغر بمالقة جاره بسبتة ووعده الغدر ببني العزفي وأن يصحبهم في أساطيله فشرع الرئيس أبو سعيد في انشاء الأساطيل البحرية واستنفار الناس للمثاغرة وان العدو لمالقة بالمرصاد وشحنها بالفرسان والرجل والناشبة والأقوات وأخفى وجه قصده عن الناس حتى إذا أقلعت أساطيله بيت سبتة لسبع وعشرين من شوال سنة خمس وأرسى بساحتها لموعد صاحب القصبة فأدخله إلى حصنه فملكه ونشر راياته بأسوارها وسرب جيوشه إلى البلد فتسايلوا وركب إلى دور بنى العزفي فتقبض عليهم وعلى والدهم وحاشيتهم وطير الخبر إلى السلطان بغرناطة فوصل الوزير أبو عبد الله بن الحكيم ونادى في الناس بالأمان وبسط المعدلة وأركب ابن العزفي السفن إلى مالقة ثم أجازوا غرناطة وقدموا على ابن الأحمر فأجل قدومهم وأركب الناس إلى لقائهم وجلس لهم جلوسا فخما حتى أدوا بيعتهم وقضوا وفادتهم وأنزلوا بالقصور وأجريت عليهم سنية الارزاق واستقروا بالأندلس إلى أن صاروا بعد إلى المغرب كما نذكره واستبد الرئيس أبو سعيد بأمر سبتة وثقف أطرافها وسد ثغورها وأقام دعوة ابن عمه صاحب الأندلس بأنحائها وكان عثمان بن أبي العلا بن عبد الله بن عبد الحق من أعياص الملك المريني أجاز معه البحر إليها أميرا على الغزاة بمالقة وقائدا لعصبتهم تحت ولائه فموه بنصبه للملك بالمغرب وخاطب قبائل غمارة في ذلك فوقفوا بين الاقدام والاحجام واتصل ذلك كله بالسلطان وهو بمعسكره من حصار تلمسان فاستشاط لها غيظا وحمى أنفه نفرة واستنفره الصريخ فبعث ابنه الأمير أبا سالم لسد تلك الفرجة وجمع إليه العساكر وتقدم إليه باحتشاد قبائل الريف وبلاد تازى فأغذ السير إليها وأحاطت عساكره بها فحاصرها مدة ثم بيته عثمان بن أبي العلاء فاختل معسكره وأفرج عنها منهزما فسخطه السلطان وذوي عنه وجه رضاه وسار عثمان بن أبي العلاء في نواحي سبتة وبلاد غمارة وتغلب على