ابن خلدون

217

تاريخ ابن خلدون

لما رجعت الرسل إلى ابن الأحمر وقد كرمت وفادتهم وقضيت حاجتهم وأحكمت في المواخاة مقاصدهم وقع ذلك من ابن الأحمر أجمل موقع وطار سرورا من أعواده وأجمع الرحلة إلى السلطان لاحكام الود والاستبلاغ في العذر عن واقعة طريف وشأنها واستعدادهم لإغاثة المسلمين ونصرهم من عدوهم فاعتزم على ذلك وأجاز البحر ذا القعدة سنة ثنتين وتسعين واحتل ببنيونش من ساحة سبتة ثم ارتحل إلى طنجة وقدم بين يدي نجواه هدية أتحف بها السلطان كان من أحفلها وأحسنها موقعا لديه فيما زعموا المصحف الكبير أحد مصاحف عثمان بن عفان أحد الأربعة المنبعثة إلى الآفاق المختص هذا منها بالمغرب كما نقله السلف كان بنو أمية يتوارثونه بقرطبة فتلقاه الأمير أبو عامر هنالك وأخوه الأمير أبو عبد الرحمن ابنا السلطان واحتفلا في مبرته ثم جاء السلطان على أثرهما من حضرته لتلقيه وبرور مقدمه ووافاه بطنجة وبلغ في تكرمته وبر وفادته ما يكرم به مثله وبسط ابن الأحمر العذر عن شأن طريف فتجافى السلطان عن العذل وأعرض عنه وقبل منه وبروا حفى ووصل وأجزل ونزله له ابن الأحمر عن الجزيرة ورندة والغربية وعشرين حصنا من ثغور الأندلس كانت من قبل لطاعة صاحب المغرب ونزل عساكره وعاد ابن الأحمر إلى الأندلس خاتم ثنتين وتسعين محبوا محبورا وأجازت عساكر السلطان معه لحصار طريف وعقد على حربها ومنازلتها لوزيره الطائر الذكر عمر بن السعود بن الخرباش الجشمي فنازلها مدة وامتنعت فأفرج عنها وصرف السلطان همته إلى غزو تلمسان وحصارها كما يذكر إن شاء الله تعالى { الخبر عن انتزاء الوزير الوساطي بحصن تازوطا من جهات الريف واستنزال السلطان إياه } كان بنو الوزير هؤلاء رؤساء بنى واطاس ن قبل بنى مرين ويرون ان نسبهم دخيل في بني مرين وأنهم من أعقاب علي بن يوسف بن تاشفين لحقوا بالبدو ونزلوا على بنى واطاس ورسخت فيهم عروقهم حتى لبسوا جلدتهم ولم يزل السرو متربعا بين أعينهم لذلك والرياسة شامخة بأنوفهم وكانوا يرون الفتك بالأمراء من أولاد عبد الحق فلم يطيقوه ولما احتل السعيد بتازى غازيا إلى تلمسان كما ذكرناه ولحق ببلدهم الأمير أبو يحيى بن عبد الحق ائتمروا في الفتك به ونذر بشأنهم فارتحل ففروا إلى غبولة وعين الصفا من بلاد بنى يرناسن وهنالك بلغه خبر مهلك السعيد وكانت بلاد الريف لبنى واطاس من لدن دخول بنى مرين المغرب واقتسامهم لاعماله فكانت ضواحيها لنزلهم وأمصارها ورعاياها لجبايتهم وكان حصن تازوطا بها من أمنع المعاقل بالمغرب وكان الملوك من أولاد عبد الحق يعتنون بشأنه وينزلونه من أوليائهم من يثقون بغنائه