ابن خلدون

214

تاريخ ابن خلدون

أيامها وكان بين يغمراسن بن زيان وأبى يحيى بن عبد الحق فيها وقائع ومشاهد نقلنا بعضها من كل واستظهر الموحدون بيغمراسن عليه في بعضها وكان الغلب أكثر ما يكون لأبي يحيى عبد الحق لوفور قبيله إلا أن يغمراسن كان يتصدى لمقاومته في سائر وقائعه ولما طمس أثر بنى عبد المؤمن واستولى يعقوب بن عبد الحق على ملكهم وصارت جملته عساكرهم وتضاعف عليه وأسف على ملك يغمراسن ملكه وجمع له فأوقع به في تلاغ الواقعة المعروفة ثم أوقع به ثانية وثالثة ولما استوت قدم يعقوب بن عبد الحق في ملكه واستكمل فتح المغرب وسائر أمصاره وكبح يغمراسن عن التطاول إلى مقاومته ووهن قواه بفل جموعه ومنازلته في داره ومظاهرة أقتاله من زناتة بنى توجين ومغراوة عليه فانصرف بعد ذلك إلى الجهاد فكان له فيه شغل عما سواه كما نقلناه في أخباره ولما انصرف ارتاب بن الأحمر بمكان السلطان يعقوب بن عبد الحق من الأندلس وحذره على ملكه وتظاهر مع الطاغية على منعه من الإجازة إلى عدوتهم ثم خشوا أن لا يستقلوا بمدافعته فراسلوا يغمراسن في الاخذ بحجزته وأجابهم إليها وجرد عزائمه لها واتصلت أيديهم في التظاهر عليه ثم فسد ما بين ابن الأحمر والطاغية ولم يكن له بد من ولاية يعقوب بن عبد الحق فتولى بواسطة ابنه يوسف بن يعقوب كما ذكرناه وأطلعوه على خب ء يغمراسن في مظاهرتهم فأغزاه سنة تسع وسبعين وهزمه بخرزونة ونازله بتلمسان ووطأ عدوه من بنى توجين بساحته كما ذكرناه ثم انصرف إلى شأنه من الجهاد وهلك يغمراسن بن زيان على تفيئة ذلك سنة احدى وثمانين وأوصى ابنه عثمان ولى عهده زعموا أن لا يحدث نفسه بمقاومة بنى مرين ومساماتهم في الغلب وأن لا يبرز إلى لقائهم بالصحراء وان يلوذ منهم بالجدران متى سموا إليه وألقى إليه زعموا أن بنى مرين بعد تغلبهم على مراكش وانضياف سلطان الموحدين إلى سلطانهم ازدادت قوتهم وتضاعف غلبهم وقال له زعموا فيما أوصاه ولا يغرنك انى رجعت إليهم بعدها وبرزت إلى لقائهم فانى أنفت ان أرجع عن مقاومتهم بعد اعتيادها وأترك مبارزتهم وقد عرفها الناس وأنت لا يضرك العجز عن مبارزتهم والنكول عن لقائهم فليس لك في ذلك مقام معلوم ولا عادة سالفة واجهد جهدك في التغلب على إفريقية وراءك فان فعلت كانت المناهضة وهذه الوصاة زعموا هي التي حملت عثمان وبنيه من بعده على طلب ملك إفريقية ومنازلة بجاية وحربهم مع الموحدين ولما هلك يغمراسن ذهب ابنه إلى مسالمة بنى مرين فبعث أخاه محمد إلى السلطان يعقوب بن عبد الحق وأجاز البحر إليه بالأندلس ووافاه بأركش في اجازته الرابعة سنة أربع وثمانين فعقد له ما جاء إليه من السلم والمهادنة ورجعه إلى أخيه وقومه ممتلئا كرامة وسرورا وهلك