ابن خلدون

208

تاريخ ابن خلدون

لغزو إشبيلية والاثخان في نواحيها فعبى كتائبه ونهض لوجهه وبث الغارات بين يديه فأثخنوا وسبوا وقتلوا واقتحموا الحصون واكتسحوا الأموال وعاج على الشرق والغابة من بسيط إشبيلية فنسف قراها واقتحم من حصونها وقفل إلى معسكره أمير المسلمين فعقد له غداة وصوله وأمده بعسكر آخر وأغزاه قرمونة والوادي الكبير فأغار على قرمونة وطمعت حاميتها في المدافعة فبرزوا له وصدقهم القتال فانكشفوا حتى أحجزوهم في البلد ثم أحاطوا ببرج كان قريبا من البلد فقاتلوه ساعة من نهار واقتحموه عنوة ولم يزل يتقرى المنازل والعمران حتى وقف بساحة إشبيلية فأغار واقتحم برجا كان هنالك الينا على المسلمين وأضرمه نارا وامتلأت أيدي عساكره وقفل إلى معسكر أمير المسلمين ولثلاث عشرة من ربيع الثاني عقد للأمير أبى يعقوب لمنازلة جزيرة كيوثر فصمد إليها وقاتلها واقتحمها عنوة وفى ثاني جمادى عقد لطلحة بن يحيى بن محلى وكان بعد مداخلته أخاه عمر في شأن مالقة سنة خمس وسبعين خرج إلى الحج فقضى فرضه ورجع ومر في طريقه بتونس واتهمه الدعي بن أبي عمارة كان بها يومئذ فاعتقله سنة ثنتين وثمانين ثم سرحه ولحق بقومه بالمغرب ثم أجاز الأندلس غازيا في ركاب السلطان فعقد له في هذه الغزاة على مائتين من الفرسان وسرحه إلى إشبيلية ليكون رتبة للمعسكر وبعث معه لذلك عيونا من اليهود والمعاهدين من النصارى يتعرفون له أخبار الطاغية شانجة وأمير المسلمين أثناء ذلك يغادى شريش ويراوحها بالقتال والتخريب ونسف الآثار وبث السرايا كل يوم وليلة في بلاد العدو فلا يخلو يوما عن تجهيز عسكر أو اغزاء جيش أو عقد راية أو بعث سرية حتى انتسف العمران في جميع بلاد النصرانية وخرب بسائط إشبيلية وليلة وقرمونة واستجة وجبال الشرق وجميع بسائط الفرنتيرة وأبلى في هذه الغزوات عباد العاصمي من شيوخ جشم وخضر الغزي أمير الأكراد بلاء عظيما وكان لهم فيها ذكر وكذلك غزاة سبتة وسائر المجاهدين والعرب من جشم وغيرهم فلما دمرها تدميرا ونسفها تخريبا واكتسحها غارة ونهبا وزحم فصل الشتاء وانقطعت الميرة عن العسكر اعتزم على القفول وأفرج عن شريش لآخر رجب ووافه مدد غرناطة من عساكر الغزاة وقائدهم يعلى بن أبي عياد بن عبد الحق بوادي بردة فلقاهم مبرة وتكريما وانقلبوا إلى أهلهم واتصل به أن العدو أوعز إلى أساطيله باحتيال الزقاق والاعتراض دون الفراض فأوعز أمير المسلمين إلى جميع سواحله من سبتة وطنجة والمنكب وجزيرة وطيف وبلاد الريف ورباط الفتح واستدعى أساطيله فتوافت منها ستة وثلاثون أسطولا متكاملة في عدتها فأحجمت أساطيل العدو عنها وارتدت على أعقابها واحتل بالجزيرة غرة رمضان واستيقن الطاغية شانجة وأهل ملته أن بلادهم