ابن خلدون
203
تاريخ ابن خلدون
عن طنجة ثامن ربيع الأولى وانتشرت قلوعهم في البحر فأجازوه وباتوا ليلة المولد الكريم بمرفأ الجبل وصبحوا العدو وأساطيلهم تناهز أربعمائة فتظاهروا في دروعهم وأسبغوا من شكتهم وأخلصوا لله عزائمهم وصدقوا مع الله نياتهم وتنادوا بالجنة شعارهم ووعظ وذكر خطباؤهم والتحم القتال ونزل الصبر ولم يكن الا كلا ولا حتى نضحوا العدو بالنبل فانكشفوا وتساقطوا في العباب فاستلحمهم السيف وغشيهم اليم وملك المسلمون أساطيلهم ودخلوا مرفأ الجزيرة وفرضتها عنوة فاختل معسكر الطاغية وداخلهم الرعب من إجازة الأمير أبى يعقوب ومن معه من الحامية فأفرج لحينه عن البلد وانتشرت النساء والصبيان بساحته وغلبت المقاتلة كثيرا من العسكر على مخلفهم فغنموا من الحنطة والإدام والفواكه ما ملا أسواق لبلد أياما حتى وصلتها الميرة من النواحي وأجاز الأمير أبو يعقوب من حينه فأرهب العدو في كل ناحية وصده عن الغزو شأن الفتنة مع ابن الأحمر فرأى أن يعقد مع الطاغية سلما ويصل به لمنازلة غرناطة يدا وأجابه إلى ذلك الطاغية رهبة من بأسه وموجدة على ابن الأحمر في مدد أهل الجزيرة وبعث أساقفته لعقد ذلك فأجازهم الأمير أبو يعقوب إلى أبيه أمير المسلمين فغضب لها ونكر على ابنه وزوى عنه وجه رضاه ورجعهم إلى طاغيتهم مخفقي السعي وأجاز أبو يعقوب بن السلطان إلى أبيه ومعه وفد أهل الجزيرة فلقوا السلطان بمكانهم من السوس وولى عليهم ابنه أبا زيان فنزل بالجزيرة وأحكم العقدة مع الطاغية ونازل المريلة من طاعة ابن الأحمر برا وبحرا فامتنعت عليه وانضوى إليه أهل الحصون الغربية بطاعتهم حذرا من الطاغية فتقبلهم ثم جاءه المدد من المغرب ونازل رقدة فامتنعت والطاغية أثناء ذلك يجوس خلال الأندلس ونازل ابن الأحمر بغرناطة مع بنى اشقيلولة وابن الدليل ثم راجع ابن الأحمر مسالمة بنى مرين وبعث لأبي زيان بن السلطان بالصلح واجتمع معه بأحواز مريلة كما نذكر بعد ولما ارتحل السلطان من معسكره على جبل السكسيوى يريد السوس ثم أغزى العساكر ورجع من طريقه إلى مراكش حتى إذا انقضت غزاة البربر رجع إلى فاس وبعث خطابه إلى الآفاق مستنفرا في الجهاد وفصل في رجب من سنة ثمان وسبعين حتى انتهى إلى طنجة وعاين ما اختل من أحوال المسلمين في تلك الفترة وما جرت إليه فتنة ابن الأحمر من اعتزاز الطاغية وما حدثته نفسه من التهام الجزيرة الأندلسية ومن فيها وظاهره على ابن الأحمر منافسوه في رياسته ببني اشقيلولة فاستجره الرئيس أبو الحسن بن أبي إسحاق صاحب وادى آش ونازل معه غرناطة سنة تسع وسبعين خمسة عشر يوما ثم أفرجوا ولقيهم عساكر غرناطة من زناتة بعد ذلك من سنتهم وغلبهم طلحة بن محلى وتاشفين بن معطى كبير