ابن خلدون

196

تاريخ ابن خلدون

في العساكر فجاس خلاله ثم انكفأ راجعا وخطب قبائل المغرب كافة بالنفير فتباطأوا واستمر على تحريضهم ونهض إلى رباط الفتح وتلوم بها في انتظار الغزاة فتثبطوا فخف في خاصته وحاشيته واحتل بالفرضة من قصر المجاز وتلاحق به الناس فأجازوا البحر واحتل بظريف أخر محرم ثم ارتحل إلى الجزيرة ثم إلى رندة ووافاه هنالك الرئيسان أبو إسحاق بن اشقيلولة صاحب قارش وأبو محمد صاحب مالقة للغزو معه وارتحلوا إلى منازلة إشبيلية فعرسوا عليها يوم المولد النبوي وكان بها ملك الجلالقة بن ادفونش فخام عن اللقاء وبرز إلى ساحة البلد محاميا عن أهله ورتب أمير المسلمين مصافه وجعل ولده الأمير أبا يعقوب في المقدمة وزحف في التعبية فأحجروا العدو في البلد واقتحموا اثرهم الوادي وأثخنوا فيهم وباتت العساكر ليلتهم يجادون في متون الخيل وقد أضرموا النيران بساحتها وارتحل من الغد إلى أرض الشرق وبث السرايا والغوازي في سائر النواحي وأناخ بجمهور العسكر عليها فلم يزل يتقرى تلك الجهات حتى أباد عمرانها وطمس معالمها ودخل حصن قطيانة وحصن جليانة وحصن القليعة عنوة وأثخن في القتل والسبي ثم ارتحل بالغنائم والأثقال إلى الجزيرة لسرار شهره فأراح وقسم الغنائم في المجاهدين ثم خرج غازيا إلى شريش منتصف ربيع الآخر فنازلها وأذاقها نكال الحرب وأقفر نواحيها وقطع أشجارها وأباد خضراءها وحرق ديارها ونسف آثارها وأثخن فيها بالقتل والأسر وبعث ولده الأمير أبا يعقوب في سرية من معسكره للغوار على إشبيلية وحصون الواد فبالغ في النكاية واكتسح حصن روطة وشلوقة وغليانة والقناطير ثم صبح إشبيلية بمقاره فاكتسحها وانكفأ إلى أمير المسلمين فقفلوا جميعا إلى الجزيرة وأراح وقسم في المجاهدين غنائمهم ثم ندب إلى غزو قرطبة ورغبهم في عمرانها وثروة ساكنها وخصب بلادها فانعطفوا إلى اجابته وخاطب ابن الأحمر يستنفره وخرج لأول جمادى من الجزيرة ووافاهم ابن الأحمر بناحية أرشدونة فأكرم وصوله وشكر حفوفه إلى الجهاد وبداره ونازلوا حصن بنى بشير فدخله عنوة وقتلت المقاتلة وسبيت النساء ونفلت الأموال وخرب الحصن ثم بث السرايا والغارات في البسائط فاكتسحها وامتلأت الأيدي وأثرى العسكر وتقروا المنازل والعمران في طريقهم حتى احتلوا بساحة قرطبة فنازلوها وانحجرت حامية العدو من وراء الأسوار وانبثت بعوث المسلمين وسراياه في نواحيها فنسفوا آثارها وخربوا عمرانها واكتسحوا قراها وضياعها وترددوا على جهاتها ودخل حصن بركونة عنوة ثم ارجونة كذلك وقدم بعثا إلى حيانة قاسمها حظها من الخسف والدمار وخام الطاغية عن اللقاء وأيقن بخراب عمرانها واتلاف بلده فجنح إلى السلم وخطبه من أمير المسلمين فدفعه إلى