ابن خلدون

191

تاريخ ابن خلدون

ذلك بما كان فيه من مجاذبة الحبل مع الموحدين ثم مع يغمراسن ثم شغله بفتح بلاد المغرب وتدويخ أقطاره إلى أن هلك السلطان أبو عبد الله محمد بن يوسف بن الأحمر المعروف بالشيخ وأبى دبوس لقبين كانا له على حين استكمال أمير المسلمين فتح المغرب وفراغه من شأن عدوه سنة احدى وسبعين على أن بنى مرين كانوا يؤثرون الجهاد ويسمون إليه وفى نفوسهم جنوح إليه وصاغية ولما استوحش بنو إدريس بن عبد الحق فخرجوا سنة احدى وستين على السلطان يعقوب بن عبد الحق واسترضاهم واستصلحهم انتدب الكثير منهم للغزو وإجازة البحر لصريخ المسلمين بالأندلس واجتمع إليهم من مطوعة بنى مرين عسكر ضخم من الغزاة ثلاثة آلاف أو يزيدون وعقد السلطان على ذلك العسكر لعامر بن إدريس فوصلوا إلى الأندلس فكان لهم فيها ذكر ونكاية في العدو وكان الشيخ ابن الأحمر عهد إلى ولده القائم بالأمر بعده محمد الشهير بالفقيه لانتحاله طلب العلم أيام أبيه وأوصاه أن يتمسك بعروة أمير المسلمين ويخطب نصره ويدر أبه ويقدمه عن نفسه وعن المسلمين تكالب الطاغية فبادر لذلك لحين مواراة أبيه وأوفد مشيخة الأندلس كافة عليه ولقيه وفدهم منصرفا من فتح سجلماسة خاتم الفتوح بالثغور المغربية وملاذ العز ومقاد الملك وتبادروا للاسلام وألقوا إليه كنه الخبر عن كلب العدو على المسلمين وثقل وطأته فحيا وفدهم ورؤساءهم وبادر لإجابة داعى الله واستئثار الجنة وكان أمير المسلمين منذ أول أمره مؤثرا أعمال الجهاد كلفا به مختارا له حتى أعطى الخيار سائر آماله حتى لقد كان اعتزم على الغزو إلى الأندلس أيام أخيه الأمير أبى يحيى وطلب اذنه في ذلك عندما ملكوا مكناسة سنة ثلاث وأربعين فلم يأذن له وفصل إلى الغزو في حشمه وذويه ومن أطاعه من عشيرته وأوعز الأمير أبو يحيى لصاحب الامر بسبتة لذلك العهد أبى علي بن خلاص بأن يمنعه الإجازة ويقطع عنه أسبابها ولما انتهى إلى قصر الجواز ثنى عزمه عن ذلك الولي يعقوب بن هارون الخبري ووعده بالجهاد أميرا مستنفرا للمسلمين ظاهرا على العدو فكان في نفسه من ذلك شغل واليه صاغية فلما قدم عليه هذا الوفد نبهوا عزائمه وذكروا همته فأعمل في الاحتشاد وبعث في النفير ونهض من فاس شهر شوال من سنة ثلاث وسبعين إلى فرصة المجاز من طنجة وجهز خمسة آلاف من قومه أزاح عللهم واستوفى أعطياتهم وعقد عليهم لابنه منديل وأعطاه الراية واستدعى من الغد في صاحب سبتة السفن لاجازتهم فوافاه بقصر الجواز عشرون من الأساطيل فأجازوا العسكر ونزل بطريف وأراح ثلاثا ودخل دار الحرب وتوغل فيها وأجلب على ثغورها وبسائطها وامتلأت أيديهم من المغانم وأثخنوا بالقتل والأسر وتخريب العمران ونسف الآثار حتى نزل بساحة شريس فحام حاميتها عن اللقاء