ابن خلدون
188
تاريخ ابن خلدون
سنة ثنتين ولما هلك الأمير أبو يحيى وشغل السلطان أبو يوسف بحرب يغمراسن ومنازلة مراكش سما للقطراني أمل في الاستبداد بها وداخل في ذلك بعض أهل الفتن وظاهره يوسف بن الغزي وفتكوا بعمار الورند غزاني شيخ الجماعة بالبلد وائتمروا بمحمد بن عمران بن عبلة فخرج ولحق بالسلطان واستبد القطراني بها ثم ثار به أهل البلد سنة ثمان وخمسين لسنة ونصف من لدن استبداده وقتلوه وصرفوا بيعتهم إلى الخليفة المرتضى بمراكش وتولى كبر ذلك القاضي بن حجاج وعلي بن عمر فعقد له المرتضى عليها وأقام بها أميرا ونازلهم عساكر بنى مرين والسلطان أبو يوسف سنة ستين ونصب عليها آلات الحصار فأحرقوها وامتنعوا وأفرج عنهم وأقام علي بن عمر في سلطانه ذلك ثلاث سنين ثم هلك وكان الأمير يغمراسن بن زيان منذ غلب الموحدين على تلمسان والمغرب الأوسط وصار في ملكته تحيز إليه من عرب المعقل قبيل المنبات من ذوي منصور بما كانت مجالات المعقل مجاورة لمجالات بنى يادين في القفر وانما ارتحلوا عنها من بعد ما جأجأ يغمراسن من بنى عامر بمجالاتهم من مصاب ببلاد بنى يزيد فزاحموا المعقل بالمناكب عن مجالاتهم ببلاد فيكيك وصاروا حولهم إلى ملوية وما وراءها من بلاد سجلماسة فملكوا تلك المجالات ونبذ يغمراسن العهد إلى ذوي عبيد الله منهم واستخلص المنبات هؤلاء فكانوا له حلفاء وشيعة ولقومه ودعوته خالصة وكانت سجلماسة في مجالاتهم ومتقلب ظعنهم وناجعتهم ولهم فيها طاعة معروفة فلما هلك علي بن عمر آثروا يغمراسن بملكها فحملوا أهل البلد على القيام بطاعته وخاطبوه وجأجؤا به فغشيها بعساكره وملكها وضبطها وعقد عليها لعبد الملك بن محمد بن علي بن قاسم بن درع من ولد محمد بن زكراز بن يندوكس ويعرف بابن حنينة نسبة إلى أم أبيه أخت يغمراسن ومعه يغمراسن بن حمامة وأنزل معهما ولده الأمير يحيى لإقامة الرسم الملوكي ثم أداله بأخيه من السنة الأخرى وكذا كان شأنه في كل سنة ولما فتح السلطان أبو يوسف بلاد المغرب وانتظم أمصاره ومعاقله في طاعته وغلب بنى عبد المؤمن على دار خلافتهم ومحا رسمهم وافتتح طنجة وطوع سبتة مرفأ الجواز إلى العدوة وثغر المغرب سما أمله إلى بلاد القبلة فوجه عزمه إلى افتتاح سجلماسة من أيدي بنى عبد الواد المتغلبين عليها وإدالة دعوته فيها من دعوتهم فنهض إليها في العساكر والحشود في رجب من سنة ثنتين وسبعين فنازلها وقد حشد إليها أهل المغرب أجمع من زناتة والعرب والبربر وكافة الجنود والعساكر ونصب عليها آلات الحصار من المجانيق والعرادات وهندام الغفط القاذف بحصى الحديد ينبعث من حربة النار الموقدة في البارود بطبيعة غريبة ترد الأفعال إلى قدرة باريها فأقام عليها حولا كريتا يغاديها القتال ويراوحها إلى أن سقطت