ابن خلدون

186

تاريخ ابن خلدون

أن الرشيد كان عقد على أعمالها لأبي علي بن الخلاص من أهل بلنسية وأنه بعد استفحال الأمير أبى زكريا بإفريقية ومهلك الرشيد صرف الدولة إليه سنة أربعين وبعث إليه بالمال والبيعة مع ابنه أبى القاسم وولى على طنجة يوسف بن محمد بن عبد الله بن أحمد الهمداني المعروف بابن الأمير قائدا على الرجل الأندلسيين وضابطا للقصبة وعقد الأمير أبو زكريا على سبتة لأبي يحيى بن أبي زكريا ابن عمه أبى يحيى السيد بن الشيخ أبى حفص فنزل بها واستراب أبو علي بن خلاص من العواقب عند مهلك ابنه الوافد على السلطان غريقا في البحر فرحل بجملته إلى تونس في السفن وأراح ببجاية فكان فيها هلاكه سنة ست وأربعين ويقال هلك في سفينته ودفن ببجاية ولما هلك الأمير أبو زكريا سنة سبع بعدها انتقض أهل سبتة على ابنه المنتصر وطردوا ابن الشهيد وقتلوا العمال الذين كانوا معه وصرفوا الدعوة للمرتضى وتولى ذلك حجفون الرنداحي بمداخلة أبى القاسم الغرفي كبير المشيخة بسبتة وأعظمهم تجلة نشأ في حجر أبيه الفقيه الصالح أبى العباس أحمد مكنوفا بالجلالة مغذوا بالعلم والدين لما كان له فيها قدم إلى أن هلك فأوجب أهل البلد لابنه ما عرفوه من حقه وحق أبيه من قبله وكانوا يفزعون إليه في المهمات ويسلمون له في الشورى فأغرى الرنداحي بهذه الفعلة ففعلها وعقد المرتضى لأبي القاسم الغرفي على سبتة مستقلا من غير اشراف أحد من السادة ولا من الموحدين واكتفى بغنائه في ذلك الثغر وعقد لحجفون الرنداحي على قيادة الأساطيل بالمغرب فورثها عنه بنوه إلى أن زاحمهم الغرفي بمناكب رياسته فقوضوا عن سبتة فمنهم من نزل بمالقة على ابن الأحمر ومنهم من نزل ببجاية على أبي حفص ولهم في الدولتين آثار تشهد برياستهم واستقل الفقيه أبو القاسم الغرفي برياسة سبتة وأورثها بنيه من بعده على ما نذكره بعد وكانت طنجة تالية سبتة في سائر الأحوال وتبعا لها فاتبع ابن الأمير صاحبها امارة الفقيه أبى القاسم ثم انتقض عليه لسنة واستبد وخطب لابن أبي حفص ثم للعباسي ثم لنفسه وسلك فيها مسلك الغرفي في سبتة ولبثوا كذلك ما شاء الله حتى إذا ملك بنو مرين الغرب ولبثوا في شعابه ومدوا اليد في ممالكه فتناولوها ونزلوا معاقله وحصونه فافتتحوها وهلك الأمير أبو يحيى عبد الحق وابنه عمر من بعده وتحيز بنوه في ذويهم واتباعهم وحشمهم إلى ناحية طنجة وأصيلا فأوطنوا ضاحيتها وأفسدوا سابلتها وضيقوا على ساكنها واكتسحوا ما حواليها وشارطهم ابن الأمير على خراج معلوم على أن يكفوا الأذية ويحموا الحوزة ويصلحوا السابلة فاتصلت يده بيدهم وترددوا إلى البلد لاقتضاء حاجاتهم ثم مكروا وأضمروا الغدر ودخلوا في بعض أيامهم متأبطين السلاح وفتكوا بابن الأمير غيله فثارت بهم العامة لحينهم واستلحموا في مصرع واحد