ابن خلدون

172

تاريخ ابن خلدون

إلى فاس ونذر يغمراسن بقدر الموحدين فخرج في قومه مع أوليائه بنى عسكر وعارضهم الأمير أبو يحيى بوادي سبوا فلم يطق حربهم ورجع عنهم عسكر الموحدين لما صرخ في معسكرهم من موت الخليفة السعيد ثم بعثوا إليه لملاطفتهم في الفيئة إلى الطاعة ومذاهب الخدمة القائد عنبر الخصي مولى الخليفة في حصة من الروم والناشبة فتقبض عليهم بنو عسكر وتمسكوا بهم في رهنهم وقتلوا كافة النصارى فأطلق أبناءهم ولحق يغمراسن وقومه بتلمسان ثم رجع بنو عسكر إلى ولاية أميرهم أبى يحيى واجتمع بنو مرين لشأنهم وتملكوا الاعمال ثم مدوا عيونهم إلى تلك الأمصار فنزل أبو يحيى بجملته جبل زرهون ودعا أهل مكناسة إلى بيعة الأمير أبى زكريا بن حفص صاحب إفريقية لما انه كان يومئذ على دعوته وفى ولايته وحاصرها وضيق عليها بمنع المرافق وترديد الغارات ومقادات الحرب إلى أن أذعنوا لطاعته فاقتحمها صلحا بمداخلة أخيه يعقوب بن عبد الحق لزعيمها أبى الحسن بن أبي العافية وبعثوا بيعتهم إلى الأمير أبى زكريا وكانت من انشاء أبى المطرف بن عميرة كان قاضيا فيهم يومئذ فأقطع السلطان ليعقوب ثلث جبايتها ثم أحس الأمير أبو يحيى بن عبد الحق من نفسه الاستبداد ومن قبيله الاستيلاء فاتخذ الآلة وبلغ الخبر إلى السعيد بتغلبه على مكناسة وصرفها لابن أبي حفص فوجم لها وفاوض الملا من أهل دولته في أمره وأراهم كيف اقتطع الامر عنهم شيئا فشيئا فابن أبى حفص أقتطع إفريقية ثم يغمراسن بن زيان وبنو عبد الواد اقتطعوا تلمسان والمغرب الأوسط وأقاموا فيها دعوة ابن أبي حفص وأطمعوه في الحركة إلى مراكش بمظاهرتهم وابن هود اقتطع عدوة الأندلس وأقام فيها دعوة بنى العباس وابن الأحمر بالجانب الآخر مقيم لدعوة ابن أبي حفص وهؤلاء بنو مرين تغلبوا على ضواحي المغرب ثم سموا إلى تملك أمصاره ثم افتتح أبو يحيى أميرهم مكناسة وأظهر فيها دعوة ابن أبي حفص وجاهر بالاستبداد ويوشك ان رضينا بهذه الدنية وأغضينا عن هذه الواقعات أن يختل الامر وتنقرض الدعوة فتدامروا وامتعضوا وتداعوا للصمود إليهم فجهز السعيد عساكر واحتشد عرب المغرب وقبائله واستنفر الموحدين والمصامدة ونهض من مراكش سنة خمس وأربعين يريد مكناسة وبنى مرين أولا ثم تلمسان ويغمراسن ثانيا ثم إفريقية وابن أبي حفص آخرا واعترض العساكر والحشود بوادي بهت ووصل الأمير أبو يحيى بمعسكره متواريا عنهم عينا لقومه حتى صدقهم كنه الخبر وعلم أن لا طاقة له بهم فأفرج عن البلاد وتناذر بنو مرين بذلك من أماكنهم فتلاحقوا واجتمعوا إليه بتازوطا من بلاد الريف ونزل السعيد مكناسة ولاذ أهلها بالطاعة وسألوا العفو عن الجزيرة واستشفعوا بالمصاحف برز بها الأولاد على رؤسهم وانتظموا مع النساء