ابن خلدون

129

تاريخ ابن خلدون

واتصلت الفتنة بينه وبين ابن عمه صاحب بجاية وكان شديد الوطأة على أهل بلده مرهف الحد لهم بالعقاب الشديد حتى لقد ضرب أعناق خمسين منهم قبل أن يبلغ سنتين في ملكه فاستحكمت النفرة وساءت الملكة وعضل الداء وفزع أهل البلد إلى مداخلة السلطان أبى العباس باستنقاذهم من ملكه العسف والهلاك بما كان أتيح له من الظهور على أميرهم فنهض إليها آخر سنة سبع وستين وبرز الأمير أبو عبد الله للقائه وعسكر بنا مروا الجبل المطل على تاكردت وصبحه السلطان أبو العباس بمعسكره هنالك فاستولى عليه وركض هو فرسه ناجيا بنفسه ومرت الخيل تعادى في أثره حتى أدركوه فأحاطوا به وقتلوه قصعا بالرماح عفا الله عنه وأجاز السلطان أبو العباس إلى البلد فدخلها منتصف يوم العشرين من شعبان ولاذ الناس به من دهش الواقعة وتمسكوا بدعوته وآبوه طاعتهم فانجلت القيامة واستقام الامر وبلغ الخبر إلى السلطان أبى حمو فأظهر الامتعاض لمهلكه والقيام بثاره وسير من ذلك حشوده في ارتقاء ونهض يجر الأمم إلى بجاية من العرب وزناتة والحشد حتى أناخ بها وملأت مخيماته الجهات بساحتها وجنح السلطان إلى مبارزته فتمهد به أهل البلد ولاذوا بمقامه فأسعفهم وطير البريد إلى قسنطينة فأطلق أبا زيان من الاعتقال وسوغه الملابس والمراكب والآلة وزحف به مولاه بشير في عسكر إلى أن نزل حذاء معسكر أبى حمو واضطربوا محلهم بسفح جبل بنى عبد الجبار وشنوا الغارات على معسكر أبى حمو صباحا ومساء لما كان نمى إليهم من مرض قلب جنده والعرب الذين معه وبدا للسلطان أبى حمو ما لم يحتسب من امتناعها وكان تقدم إليه بعض سماسرة الفتن بوعد على لسان المشيخة من أهل البلد أطمعه فيها ووثق بأن ذلك يغنيه عن الاستعداد فاستبق إليها وأغفل الحزم فيما دونها فلما امتنعت عليه انطبق الجو على معسكره وفسدت السابلة على العير للميرة واستجم الزبون في احياء معسكره بظهور العدو المساهم في الملك وتفادت رجالات العرب من سوء المغبة وسطوة السلطان فتمشوا بينهم في الانفضاض وتحينوا لذلك وقت المناوشة وكان السلطان لما كذبه وعد المشيخة أجمع قتالهم واضطرب الفساطيط مضايقة للأسوار متسنمة وعرا من الجبل لم يرضه أهل الرأي وخرج رجل الجبل على حين غفلة فجاولوا من كان بتلك الأخبية من المقاتلة فانهزموا أمامهم وتركوها بأيديهم فمزقوها بالسيوف وعاين العرب على البعد انتهاب الفساطيط فأجفلوا وانفض المعسكر بأجمعه وحمل السلطان أبو حمو أثقاله للرحلة فأجهضوه عنها فتركها وانتهب مخلفه أجمع وتصايح الناس بهم من كل حدب وضاقت المسالك من ورائهم وأمامهم وركضت بزحامهم وتواقعوا لجنوبهم فهلك الكثير منهم