ابن خلدون
411
تاريخ ابن خلدون
منصور بطاعته فأتاها طواعية وأوفد على السلطان رسله بكتاب بيعته ثم وفد عليه ثانيا مع حاجبه الكاتب أبى عبد الله محمد بن أبي عمر وبعثه بالعساكر لتدويخ إفريقية وتمهيد ملكه ببجاية كما سنذكره ووفد عليه امراء القبائل والبدو ورؤساء النواحي سنة أربع وخمسين ووفد في جملتهم يوسف بن منصور أمير الزاب ويعقوب بن علي أمير البدو وسائر رؤساء الزواودة فلقاهم السلطان تكرمة ورعيا لا ذمة خلوصهم لأبيه وقومه من بين أهل إفريقية وأسنى جوائزهم وعقد ليوسف بن مزنى على الزاب وما وراءه من بلاد ريغه وواركلى على عادتهم وانقلب محبرا محبوا وقد ثبت له من ولاية السلطان ومخالصته حظ ورفع له ببساطه مجلس ولما نهض السلطان إلى إفريقية لافتتاح قسنطينة سنة ثمان وخمسين كما سنذكره تلقاه يوسف بن منصور على قسنطينة فخلطه بأوليائه ونظمه في طبقات وزرائه واستوحش يعقوب بن علي يومئذ من مطالبته بالرهن له ولقومه وانتقض فأجفلت احياؤه إلى بلاد الزاب وما وراءها من الصحراء وارتحل السلطان بعساكره في طلبهم إلى أن احتل ببلاد الزاب وخرب بلاد يعقوب بن علي بالزاب والتل بقطع أشجارها وتغوير مياهها وهدم بنائها ونسف آثارها ودخل يعقوب باحيائه الرمل وعجزوا السلطان فانكفأ راجعا واحتل بظاهر بسكرة فتلوم بها ثلاثا لإراحة العساكر وإزاحة عللهم من وعثاء السفر وشعث الصحراء ففرق يوسف بن منصور في قرى عساكره أيام مقامه يشملهم فيها من العلوفة والحنطة واللحمان والادم بما أرغد عيشهم وكفاهم همهم وتحدثت بها الناس دهرا ورفع إليه جبايته لعامه قناطير من الذهب بعثه بيت المال بقفصة القهارمة من ثقاته وأجزل السلطان مثوبته وأسنى عطيته واختصه بكسوة ثيابه وعياله من كسا حرمه وثياب قصره وانكفأ راجعا إلى حضرته ثم أوفد موسى بن منصور ابنه أحمد على السلطان بسدته من فاس عند منصرف وزيره سليمان بن داود من حركة إفريقية سنة تسع وخمسين وأصحبه هدية من عتاق الخيل وفاره الرقيق وأقام أياما في نزل كريم ومحل من المجلس رفيع إلى أن هلك السلطان خاتمة تسع وخمسين فأرغد القائم بالدولة من بعده جائزته وأسنى صلته وصرفه إلى عمله واستوصى به امراء النواحي والثغور في طريقه ولم ينشب ان شبت نار الفتنة وانتزى الخوارج بالجهات بعد مهلك السلطان فخلص إلى ابنه بعد عنائه وعلى يأس من النجاة بعد أن حصل في قبضة أبى حمو سلطان بنى عبد الواد عند استيلائه على تلمسان وهو بها مع بنى مرين وقد مر بهم مجتازا إلى وطنه فأجازه عليه صغير بن عامر من زغبة رعيا لا ذمة ابنه يوسف صاحب الزاب وتأميلا للعرب فيه وفى أعماله وبعد ان بذل له من ذات يده ومن طرف ما وصله به بنو مرين من ذخائرهم