ابن خلدون
401
تاريخ ابن خلدون
فانتظم به أمره وأقام بها حولا ثم يجافى عن امارتها ولحق بأبيه بتونس سنة ثنتين وثمانين فجعل السلطان أمر قفصة لعبد الله التريكي وولاه عليها ثقة بغنائه واضطلاعه ولم يزل بها واليا إلى أن هلك سنة أربع وتسعين وولى السلطان مكانه محمدا ابنه وكان له اخوة أعزاء معقلا فلم تطرقه النكبة كما طرقت قومه وأبقاه السلطان بالبليد فأغرى هؤلاء الاخوة بأخيهم ووثبوا به فاعتقلوه وأظهروا العصيان ثم حمله أعيان البلد على البراءة من بنى عبد الله التريكي استرابة بهم أن يراجعوا طاعة السلطان فتوثب بهم وأخرجهم واستصفاهم واستقل برياسة البلد كما كان قومه والسلطان في خلال ذلك يرعد ويبرق ويواصل الاعذار والانذار وهم قد لجوا في طغيانهم ثم جمع جنوده واحتشد واستألف الاعراب ووفر الأعطيات ونهض إليها حتى نزل بساحتها منتصف خمس وتسعين وقد استعدوا وتحصنوا فألح عليهم القتال وأذاقهم النكال وقطع عنهم الميرة فضيق مخنقهم ثم عدا على نخلهم يقطعها حتى صرع جذوعها وفسح المجال وضاق عليهم المخنق فخرج شيخهم الدنيدن إلى السلطان يعقد معه صلحا على بلده وقومه فغدر به وحبسه رجاء أن يملك بذلك البلد وكان بعض بنى العابد واسمه عمرو بن الحسن قد انتبذ عن قفصة أيام نكبتهم وأبعد في المغرب ثم رجع ونزل بأطراف الزاب ولما استقل الدنيدن بقفصة قدم عليه فأقام معه أياما ثم استراب به وتقبض عليه وحبسه فلما غدر به السلطان اجتمعت عليه المشيخة وعقدوا له الامرة وبعثوا إلى العرب يسترحمونهم ويعطفونهم على ذخيرتهم فيهم وسربوا إليهم الأموال فتصدى إلى الدفاع عنهم صولة ابن خالد بن حمزة أمير أولاد أبى الليل وزحف إلى السلطان بمعسكره من ظاهر البلد وكان أولياؤه من العرب قد أبعدوا عنه في الجهات لانتجاع إبلهم فما راعه الا اطلاق صولة برايته في قومه فأجفل واتبعوه وما زال يكر عليهم في بنيه وخواصه حتى ردهم على أعقابهم وأغذ السير إلى تونس وهم في اتباعه ولم يظفروا منه بعقال الا ما كان من طعن القنا ووقع السيوف حتى وصل إلى حضرته ثم ندم صولة على ما كان منه وراسل السلطان بطاعته فلم يقبله وانحدر إلى مشاتيه سنة ست وتسعين واستدعى ابن يملول إلى صولة فأغراه بحصار توزر وأنزل معه عليها قومه فجلى الأمير المنتصر ابن السلطان في دفاعهم والامتناع عليهم حتى يئسوا واضطربت آراؤهم وأفرجوا عنها مفترقين وصعد صولة إلى التلال للمصيف وعاود الرغبة من السلطان في قبول طاعته وكان محمد الدنيدن لما أجفل السلطان عن قفصة تركه بتلك الناحية فلما وصل إلى تونس أرسل أهل قفصة في الرجوع إليهم فأجابه بعض أشياعه ودخل البلد فبدر به عمر بن العابد وكبسه بمكانه الذي نزل به وقتله واستبد بمشيخة قفصة وخشي أهل قفصة من