ابن خلدون
399
تاريخ ابن خلدون
وباديتهم من ذوبان ورياح وخرج يعقوب من التل فنزل على نقاوس فأقام بها وانطلقت أيدي قومه على تلول قسنطينة بالنهب وانتساف الزرع حتى اكتسحوا عامتها ولحقوا به مالئي اليد مثقلي الظهر ثم طرقه المرض فهلك سنة تسعين ونقلوا شلوه إلى بسكرة فدفنوه بها وقام مكانه في قومه ابنه محمد واستمر على العصيان وصعد إلى التل في منتصف احدى وتسعين واستألف الأمير إبراهيم أعداءه من الزواودة وزحف إليه أبو ستة بن عمر أخو يعقوب بن علي بما معه من أولاد عائشة أم عمر وخالفه أخوه صميت إلى محمد بن يعقوب وتحاربوا مع الأمير إبراهيم فهزموه وقتل أبو ستة ثم جمع السلطان لحربهم ودفع عن التلول ومنعهم من المصيف عامهم ذلك وانحدروا إلى مشاتيهم وعجزوا بعدها عن الصعود إلى التلول وقضوا مصيفهم عامهم ذلك بالزاب وانحدروا منه إلى المشاتي فلما رجعوا من مشاتيهم وقد فقدوا الميرة انطلقت أيديهم على نواحي الزاب فانتسفوا زروعه وكاد أن يفسد ما بينهم وبين ابن مزنى مظاهرهم على تلك الفتنة ثم ارتحلوا صاعدين إلى التلول وقد جمع الأمير إبراهيم لدفاعهم عنه وبينما هو في ذلك ألم به طائف من المرض فتوفى سنة ثنتين وتسعين وافترقت جموعه وأغذ محمد بن يعقوب السير إلى نواحي قسنطينة فاحتل بها مظهرا للطاعة متبرئا من الخلاف ونادى في أهل البلاد بالأمان والامارة فصلحت أحوال الرعايا والسابلة وبعثوا إلى السلطان بتونس مستأمنين مستعتبين فأمنهم وأعتبهم وأقام بقسنطينة مكان إبراهيم ابنه وبعث من حضرته محمد ابن مولاه بشير لكفالته والقيام بدولته فقام بأمرها وصلحت الأحوال والله بيده تصاريف الأمور * ( منازلة نصارى الإفرنج المهدية ) * كانت أمة الفرنج وراء البحر الرومي في الشمال قد صار لهم تغلب ودولة بعد انقراض دولة الروم فملكوا جزائره وسردانية وميورقة وصقلية وملأت أساطيلهم فضاءه وتخطوا إلى سواحل الشأم وبيت المقدس فملكوها وعادت لهم سورة الغلب في هذا البحر بعد أن كانت سورة المسلمين فيه لا تقاوم إلى آخر دولة الموحدين بكثرة أساطيله ومراكبه فغلبهم الفرنج وعادت السورة لهم وزاحتهم أساطيل المغرب أياما ثم فشل ريح الفرنجة واختل مركز دولتهم بافرنسة وافترقت طوائف في أهل برشلونة وجنوة والبنادقة وغيرهم من أمم الفرنجة النصرانية وأصبحوا دولا متعددة فتمت عزائم كثيرة من المسلمين بسواحل إفريقية لغزو بلادهم وشرع في ذلك أهل بجاية منذ ثلاثين سنة فيجتمع النفير والطائفة من غزاة البحر ويصطنعون الأسطول ويتخيرون له أبطال الرجال ثم يركبونه إلى سواحل الفرنجة وجزائرهم على حين غفلة