ابن خلدون
383
تاريخ ابن خلدون
أياما يغاديها القتال ويراوحها ثم كشف عن مصدوقته وزحف إلى أسوارها وقد ترجل أخوه والكثير من بطانته وأوليائه فلم يقم لهم حتى تسنموا الأسوار برياض رأس الطابية فنزل عنها المقاتلة وفروا إلى داخل البلد وخامر الناس الدهش وتبرأ بعضهم من بعض وأهل الدولة في مركبهم وقوف بباب الغدر من أبواب القصبة فلما رأوا أنهم أحيط بهم ولوا الاعقاب وقصدوا باب الجزيرة فكبروا قباله وثار أهل البلد جميعا بهم فحاصروا بساحتهم من البلد بعد عصب الريق ومضى الجند في اتباعهم فأدرك أحمد بن اليالقي فقتل وسيق رأسه إلى السلطان وتقبض على الأمير خالد واعتقل ونجا العلج منصور سريحة برأس طمرة وخام وذهل عن القتال دون الأحبة ودخل السلطان القصر واقتعد أريكته وانطلقت أيدي العيث في ديار أهل الدولة فاكتسحت ما كان الناس يضطغنون عليهم تحاملهم على الرعية واغتصاب أموالهم واضطرمت نار العيث في دورهم ومخلفهم فلم تكد أن تنطفئ ولحق بعض أهل العافية معرات من ذلك لعموم النهب وشموله حتى أطفأه الله ببركات السلطان وجميل نيته وسعادة أمره ولاذ الناس منه بالملك الرحيم والسلطان العادل وتهافتوا عليه تهافت الفراش على الذبال يلثمون أطرافه ويجدون بالدعاء له ويتنافسون في انتفاس مجيده إلى أن غشيهم الليل ودخل السلطان قصوره وخلا بما ظفر من ملك آبائه وبعث بالأمير خالد في الأسطول إلى قسنطينة فعصفت به الريح وانخرقت السفينة وترادفت الأمواج إلى أن هلك واستبد السلطان بأمره وعقد لأخيه الأمير أبى يحيى على حجابته ورعى لابن تافراكين حق انحياشه إليه ونزوعه فجعله رديفا لأخيه واستمر الامر على ذلك إلى أن كان من أمره ما نذكر إن شاء الله تعالى { الخبر عن انتقاض منصور بن حمزة واجلابه بالعم أبى يحيى زكريا على الحضرة وما كان عقب ذلك من نكبة ابن تافراكين } كان منصور بن حمزة هذا أمير البلد من بنى سليم بما كان بنى كعب وكان السلطان أبو يحيى يؤثره بمزيد العناية ويجعل له على قومه المزية وكان بنو حمزة هؤلاء منذ غلبوا على السلطان أبى الحسن على إفريقية وأزعجوه منها قد استطالت أيديهم عليها وتقسموها أوزاعا وأقطعهم أمراء الحضرة السهمان في جبايتها زيادة لما غلبوا عليه من ضواحيها وأمصارها استئلافا لهم على المصاهرة وإقامة الدعوة والحماية من أهل الثغور الغريبة فملكوا الأكثر منها وضعف سهمان السلطان بينهم فيها فلما استولى هذا السلطان أبو العباس على الحضرة واستبد بالدعوة الحفصية كبح أعنتهم عن التغلب والاستبداد وانتزع ما بأيديهم من الأمصار والعمالات التي كانت من قبل