ابن خلدون

377

تاريخ ابن خلدون

علي بن أحمد ونزل على يعقوب بن علي فأسكنه بمقره من بلاده إلى أن بدا لعمه المولى أبى اسحق رأيه في اللحاق بتونس لما توقع من مهلك صاحبه وكافله أبى محمد بن تافراكين أسره إليه بعض الجند فحذره مغبته ووقع من ذلك في نفوس أهل بجاية انحراف عنه وحرج أمره وراسلوا أميرهم الأقدم أبا عبد الله من مكانه بمقره وظاهره على ذلك يعقوب بن علي وأخذله العهد على رجالات سدويكش أهل الضاحية وارتحلوا معه إلى بجاية ونازلها أياما ثم استيقن الغوغاء اعتزام سلطانهم على التقويض عنهم وسئموا ملكة علي بن صالح الذي كان عريفا عليهم فثاروا به ونبذوا عهده وانفضوا من حوله إلى الأمير أبى عبد الله بالحرسة من ساحة البلد ثم قاد إليه عمه أبا إسحاق فمر عليه وخلى سبيله إلى حضرته فلحق بها واستولى أبو عبد الله على بجاية محل امارته في رمضان سنة خمس وستين وتقبض على علي بن أبي صالح ومن معه من عرفاء الغوغاء أهل الفتنة فاستصفى أموالهم ثم أمضى حكم الله في قتلهم ثم نهض إلى تدلس لشهرين من مملكة بجاية فغلب عليها عمر بن موسى عامل بنى عبد الواد ومن اعتاص قبلهم وتملكها في آخر سنة خمسين وبعث عنى من الأندلس وكنت مقيما بها نزيلا عند السلطان أبى عبد الله بن أبي الحاج بن الأحمر في سبيل اغتراب ومطاوعة تغلب منذ مملك السلطان أبى سالم الجاذب بضبعي إلى تقويمه والترقي في خطط كتابته من ترسيل وتوقيع ونظر في المظالم وغيرها فلما استدعاني هذا الأمير أبو عبد الله بادرت إلى امتثاله ولو شاء ربك ما فعلوه ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير فأجزت البحر شهر جمادى من سنة ست وقلدني حجابته ودفع إلى أمور مملكته وقمت في ذلك المقام المحمود إلى أن يأذن الله بانقراض أمره وانقطاع دولته ولله الخلق والامر وبيده تصاريف الأمور * ( الخبر عن مهلك الحاجب أبى محمد بن تافراكين واستبداد سلطانه من بعده ) * كان السلطان أبو إسحاق آخر دولته ببجاية قد تجبر ملك حاجبه المستبد عليه أبى محمد بن تافراكين لما كان أهل صنهاجة أهل التنجيم يحدثونه بذلك فأجمع الرحلة إليها وانفض عنه أهل بجاية إلى ابن أخيه كما قدمناه واستولى عليه ثم أطلقه إلى حضرته فلحق بها في رمضان سنة خمس وستين وتلقاه أبو محمد بن تافراكين ورآه مرهف الحد للاستبداد الذي ألفه ببجاية فكايله بصاع الوفاق وصارفه نقد المصانعة وازدلف بأنواع القربات وقاد إليه النجائب ومنحه الذخائر والأموال وتجافى له عن النظر في الجباية ثم أصهر إليه السلطان في كريمته فعقد له عليها وأعرس السلطان بها ثم كان مهلكه عقب ذلك فاتح ست وستين فوجم السلطان لنعيمه وشهد جنازته حتى وضع في لحده من المدرسة التي اختطها لقراءة العلم إزاء داره جوفي المدينة وقام على قبره باكيا وحاشيته يتناولون